عمرو بن العاص و فتح مصر
دهاء السيف والسياسة: كيف فتح عمرو بن العاص مصر بأقل الخسائر؟
يعد فتح مصر أحد أبرز المنعطفات التاريخية التي غيرت وجه منطقة الشرق الأوسط والعالم الإنساني إلى الأبد. لم يكن هذا الحدث مجرد حملة عسكرية عابرة، بل كان تجسيداً لعبقرية سياسية وعسكرية فذة قادها صحابي خطط لكل خطوة بميزان من ذهب؛ إنه عمرو بن العاص، الرجل الذي وصفه المؤرخون بـ "داهية العرب". استطاع عمرو، بجيش صغير الإمكانات مقارنة بإمبراطورية الروم العاتية، أن يضم مصر إلى حاضرة الدولة الإسلامية بأقل خسائر بشرية ومادية ممكنة، معتمداً على سيكولوجية الشعوب والذكاء الإستراتيجي قبل حد السيف.
الرؤية الإستراتيجية: لماذا كانت مصر هدفاً حتمياً؟
لم يكن تحرك عمرو بن العاص نحو مصر وليد الصدفة أو رغبة في التوسع الأعمى، بل جاء نتيجة رؤية جيوسياسية عميقة. بعد أن استقر الأمر للمسلمين في بلاد الشام وفلسطين، أدرك عمرو بن العاص أن هذا الاستقرار مهدد بالزوال ما دام الروم يسيطرون على مصر. كانت مصر تمثل "العمق الإستراتيجي" للإمبراطورية البيزنطية، وقاعدتها البحرية والتموينية الكبرى، والمنطلق الذي يمكنهم من خلاله شن هجمات مضادة لاستعادة الشام.
علاوة على ذلك، كانت مصر تُعرف بـ "أهراء روما" نظراً لثرائها الزراعي والاقتصادي. واجه عمرو في البداية معارضة وتخوفاً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الذي كان يخشى تشتيت جيوش المسلمين في جبهات واسعة وحرصاً منه على دماء الجنود. لكن دهاء عمرو وإلحاحه، وتوضيحه للمكاسب الإستراتيجية وحتمية الخطوة لتأمين حدود الدولة الوليدة، جعل الخليفة يوافق في النهاية على مضض.
الحرب الخاطفة وحصار حصن بابليون
انطلق عمرو بن العاص بجيش صغير لا يتجاوز قوامة 4000 مقاتل فقط، وسلك طريق العريش متوجهاً نحو عمق مصر. اعتمد عمرو بشكل كلي على عنصر المفاجأة والحرب الخاطفة، مستغلاً بطء حركة الحشود الرومانية. سقطت الفرما وبلبيس في يده، حتى وصل إلى المواجهة الكبرى عند "حصن بابليون" (قرب القاهرة الحالية)، وهو أقوى قلاع الروم الحصينة في مصر.
هنا تجلت عبقرية عمرو العسكرية؛ إذ أدرك أن اقتحام الحصن مباشرة يعني انتحاراً عسكرياً وإهداراً للأرواح. فرض حصاراً محكماً وطويلاً أظهر فيه صبراً إستراتيجياً كبيراً، وراسل الخليفة طالباً المدد. أرسل له عمر بن الخطاب 4000 مقاتل آخرين، وعلى رأسهم أربعة من كبار الصحابة، وقال له في رسالته الشهيرة: "إني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف". كان من بينهم الزبير بن العوام، الذي قاد خطوة جريئة بتسلق أسوار الحصن والتكبير، مما بث الرعب في قلوب الروم وظنوا أن المسلمين اقتحموا القلعة، فسقط الحصن التاريخي بذكاء وتكتيك نفسي بارع.
الدهاء السياسي: معاهدة الإسكندرية وتحييد الجبهة الداخلية
الفتح الحقيقي لمصر لم ينتهِ بحد السيف، بل بدأ بالسياسة. كان عمرو بن العاص يعلم أن الروم يعانون من تفكك جبهتهم الداخلية بسبب الاضطهاد الديني والمالي الشديد الذي فرضوه على أقباط مصر. لذلك، انتهج عمرو سياسة "كسب القلوب والعقول" وصنع جسوراً من الثقة مع السكان المحليين، حيث أعطاهم الأمان التام على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، مما جعل الأقباط يتخذون موقف الحياد، بل وقدم بعضهم الدعم اللوجستي لجيش المسلمين، مما عزل الروم تماماً.
بعد سقوط حصن بابليون، توجه عمرو إلى الإسكندرية (العاصمة الثانية للإمبراطورية). وبدلاً من الدخول في حرب شوارع مدمرة قد تودي بالمدينة العريقة، استخدم لغة الدبلوماسية وفرض شروط الصلح من موقع القوة على "المقوقس" حاكم مصر. تم توقيع "معاهدة الإسكندرية" الشهيرة، والتي سمحت لقوات الروم بالجلاء عن المدينة بسلام مع أموالهم خلال مهلة محددة، دون إراقة دماء ودون تخريب للمدينة التي كانت مركزاً علمياً وثقافياً عالمياً.
بناء الدولة الجديدة وتأمين الحدود
بعد إتمام الفتح، لم يكتفِ عمرو بالانتصار العسكري، بل التفت فوراً لتأمين الإنجاز. أرسل حملات سريعة ومباغتة نحو الغرب لتأمين برقة وطرابلس، لضمان عدم قيام الروم بأي هجوم مضاد عبر شمال إفريقيا.
وفي داخل مصر، وضع أسس الإدارة الرشيدة؛ فألغى الضرائب الباهظة ونظام السخرة الذي أذاق الروم به المصريين الويلات، وأعاد البطريرك الأرثوذكسي "بنيامين" إلى منصبه بعد 13 عاماً من التخفي في الصحراء هرباً من بطش الروم، مما رسخ مفهوم الحرية الدينية. كما قام بتأسيس مدينة "الفسطاط" لتكون أول عاصمة إسلامية في إفريقيا، وحفر "خليج أمير المؤمنين" (قناة سيزوستريس القديمة) لربط النيل بالبحر الأحمر، مما أنعش حركة التجارة والاقتصاد وجعل مصر شرياناً يغذي الجزيرة العربية في أوقات الأزمات.
لقد قدم عمرو بن العاص في فتح مصر نموذجاً تاريخياً فريداً يُدرس في المعاهد العسكرية والسياسية، يثبت أن الانتصار العظيم لا يتطلب دائماً سحق العدو وتدمير البلاد، بل يتطلب دهاءً سيشهد له التاريخ، يوازن بين قوة السيف وحكمة العقل ومرونة الدبلوماسية.
