تفسير سورة البلد

تفسير سورة البلد
افتتحت سورة البلد بقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، والمقصود بالبلد هنا مكة المكرمة، أشرف بقاع الأرض، وقد أقسم الله بها تشريفًا وتعظيمًا لها، كما خصّ النبي محمد ﷺ بذكره، حيث كان مقيمًا فيها رغم ما تعرض له من أذى واضطهاد. وقوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ يشمل آدم عليه السلام وذريته، أو كل والد وما أنجب، في إشارة إلى عظمة الخلق واستمرار الحياة.
ثم يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، أي إن حياة الإنسان قائمة على المشقة والتعب والابتلاء، فلا يخلو أحد من الصعوبات، سواء في طلب الرزق أو العبادة أو مواجهة المصاعب. وهذه الحقيقة تعلم المسلم الصبر والثبات، وعدم اليأس عند نزول البلاء، لأن الدنيا ليست دار راحة، وإنما دار اختبار.
بعد ذلك يلفت الله نظر الإنسان إلى غروره، فيقول: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾، أي هل يظن الإنسان أن الله لن يحاسبه أو يعاقبه؟ فهذا تحذير من الاغترار بالقوة أو المال أو المنصب. ثم يذكر نموذجًا لمن يتفاخر بإنفاق المال في غير وجه الحق، فيقول: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾، أي أنفقت أموالًا كثيرة، لكنه لم يبتغ بها مرضاة الله، وإنما أراد الفخر والرياء.
ويستمر التذكير بنعم الله على الإنسان في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، أي أن الله منح الإنسان العينين ليبصر، واللسان والشفتين ليتكلم، وأرشده إلى طريق الخير وطريق الشر، وترك له حرية الاختيار، ولذلك فهو مسؤول عن أفعاله.
ثم تبين السورة أن طريق الخير يحتاج إلى مجاهدة للنفس، فقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، أي لم يسلك الطريق الصعب المؤدي إلى رضا الله. ثم يوضح الله معنى هذه العقبة بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، أي إنها أعمال عظيمة تحتاج إلى إخلاص وصبر.
وتبدأ السورة بذكر هذه الأعمال، فقال سبحانه: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، أي تحرير العبيد، وهو عمل يدل على الرحمة والعدل، وقد كان الإسلام من أكثر الشرائع التي شجعت على تحرير الرقاب.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، أي إطعام الطعام في وقت المجاعة والحاجة، لأن قيمة الصدقة تزداد عندما يكون الناس في أشد الحاجة إليها.
ثم خصّ نوعين من المحتاجين، فقال: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾، أي اليتيم القريب الذي يجمع بين حق القرابة واليتم، ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، أي الفقير الذي بلغ به الفقر غايته حتى التصق بالتراب من شدة الحاجة.
ولا تكتفي السورة بالأعمال الظاهرة، بل تؤكد أهمية الإيمان والأخلاق، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، أي أن النجاة لا تكون إلا بالإيمان الصادق، مع التعاون على الصبر في الطاعات والابتلاءات، والتراحم بين الناس، فالمجتمع المسلم يقوم على الرحمة والتكافل والتعاون.
ثم تختم السورة ببيان مصير الفريقين، فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، وهم المؤمنون الذين ينالون السعادة والفوز في الدنيا والآخرة، وسُمّوا بذلك لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم يوم القيامة.
أما الكافرون فقال عنهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾، أي أنهم أصحاب الشقاء والهلاك، وتكون عليهم نار جهنم مغلقة لا يستطيعون الخروج منها.
وتعلمنا سورة البلد أن الحياة مليئة بالابتلاءات، وأن الله منح الإنسان وسائل الهداية، وأن الفوز الحقيقي لا يكون بكثرة المال أو القوة، وإنما بالإيمان والعمل الصالح، وإغاثة المحتاجين، والتحلي بالصبر والرحمة. وهي دعوة للمسلم إلى أن يجعل حياته مليئة بأعمال الخير، وأن يدرك أن كل نعمة أنعم الله بها عليه ستكون موضع سؤال يوم القيامة.