العبرة من هجرة سيد البشر

العبرة من هجرة سيد البشر

0 التقيمات

العبرة من هجرة سيد البشر

  • عندما يحل شهر الله المُحرَّم، يتذكَّر المسلمون الحدث العظيم، الذي قلَب موازين التاريخ، وغيَّر وجه البشريَّة، حادث الهجرة النبوية المباركة، من مكَّة المشرَّفة إلى المدينة النبويَّة، التي كانت طريقا إلى إنشاء الدولة الإسلامية؛ حيث ظهر نور الإسلام في البقاع ودخل النَّاسُ في دين الله افواجا.
  •  
  • للهجرة النبوية دروس عظيمة  نقتصر منها على أربعة منها:

أولا التضحية:

  •  فهذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم - يغادر  بلده الذي وُلِد فيه وترعرع فيه ، وترك أقاربه  وعشيرته، فقال وهو يغادرها بِنَبْرة من الحزنِ: ((واللهِ إنَّك لَخيْر أرْض الله، وأحبُّ أرْض الله إلى الله، ولوْلا أنِّي أُخْرِجْت منْك ما خرجْتُ))"ص. الترمذي".
  • كلمات قالها المصطفي تعبر عن مدي الحب والتعلق بمكة المكرمة بحلها وحرمها بمائها وهوائها .
  •  
  •  وهذه أمُّ سلمة  رضي اللهةعنها - وهي أوَّل امرأة مهاجِرة في الإسلام - تقول: "لَمَّا أراد أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رَحَّل بعيرًا له اي بخيل له ، وحَملَنِي وحَمل معي ابنَه سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلمَّا رآه رجالُ بني المغيرة بن مَخْزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفْسُك غلبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه، علامَ نترُكك تسير بها في البلاد؟ فأَخذوني، وغَضِبَتْ عند ذلك بنو عبدالأسد، وأهوَوْا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها؛ إذْ نزعتُموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنِي سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبدالأسد، وحبسَنِي بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتَّى لحق بالمدينة، ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني"، فمكثَتْ سنة كاملة تبكي، حتَّى أشفقوا من حالِها، فخلَّوْا سبيلها، ورَدُّوا عليها ابنها، فجمع الله شَمْلَها بزوجها في المدينة.
  •  
  •  وهذا سيدنا صُهَيب الرُّومي، لَمَّا أراد الهجرة، قال له كُفَّار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالُك عندنا، وبلَغْتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تَخْرج بِمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: "أرأيتم إنْ جعلْتُ لكم مالي، أتخلُّون سبيلي؟" قالوا: نعم، قال: "فإنِّي قد جعلتُ لكم مالي"، فبلغ ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - فقال: ((رَبِح صهيب))، والقصة في "صحيح السِّيرة النبوية". نعم ربح البيع يا صهيب أنهم رجال عقدوا العزم للتجارة مع الله فكانوت من الفائزين.
  •  
  •  

ثانيا لا لليأس:

  • لقد ظل  النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - في مكة فترة من الزَّمن، يدعو قومه إلى الهدى، فما آمن له إلاَّ قليل من قومه، بل تعرض للإضهاد والتنكيل ، وعُذِّب هو وأصحابُه، فلم يكن ذلك لِيَثنِيَه  عن دعوته، بل زاده إصرارًا وثَباتًا، ومضى يبحث عن حلول بديلة، فخرَجَ إلى الطائف، باحثًا عن أرض صالحة للدَّعوة، لكنْه وُجد هناك أقسى مِمَّا توقَّع، فأُوذي وأُهين، وقُذِف بالحجارة،  وسال الدم من قدميه الشريفتين وخرج من الطَّائف مطرودًا مُهانًا وقد تَجاوز الخمسين، ولكن أشد ما يكون عزيمة على مُواصلة رسالته، فأخذ يَعْرض نفسه بإصرار على القبائل في موسم الحجِّ، ويقول: ((ألاَ رجل يَحْملني إلى قومه، فإنَّ قريشًا قد منعوني أن أبلِّغ كلام ربِّي))؛ "ص. ابن ماجه".
  •  
  • فرفضَتْ خَمْسَ عشرةَ قبيلةً دعوتَه،  ولكم أن تتصوروا كل هذا الخزي والخذلان من قومه ومن أقرب الناس إليه حتى فتح الله له صدور الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى والثَّانية، وكانت سفر مصعب بن عمير أول سفير للإسلام  إلى المدينة، الذي هيَّأ التُّربة الصالحة لاستمرار الدَّعوة، وتكوين الدَّولة الجديدة في المدينة النبويَّة، فكانت الهجرة تتويجًا لِعَمَل جاد، وصَبْر شديد، وحركة لا تعرف  الملل.
  •  
  •  

ثالثا حسن الصحبة:

  • تجلَّت حسن الصحبة في أبْهَى صُوَرِها مع أبي بكر الصدِّيق، الذي ذهب كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّه هو المقصود بالْمُصدِّق في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ [الزمر: 33]، لَمَّا قال النبي - صلى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي أُريتُ دار هجرتكم ذات نَخْلٍ بين لابتين)) وهُما الحرتان؛ "البخاري"، تَجهَّز أبو بكر، فقال له النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم -: ((على رِسْلِك؛ فإنِّي أرجو أن يُؤْذَن لي))، فقال أبو بكر: "وهل ترجو ذلك بأبِي أنت؟" قال: ((نعم))، فحَبَسَ أبو بكر نفْسَه على رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - لِيَصحبه، فانتظر أربعة أشهر يعلف راحلتَيْن كانتا عنده، حتَّى أذن الله بالهجرة، فلما أخبَره النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - لَم يُصدِّق أنْ يكون صاحِبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - حتَّى قال: "الصحبةَ بأبي أنت يا رسول الله؟" قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((نعم))، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "فوالله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أنَّ أحدًا يبكي من الفرح، حتَّى رأيتُ أبا بكر يبكي يومئذٍ"؛ البخاري.
  •  
  • وعندما خرجا معًا، كان أبو بكر يتقدَّم النبِيَّ - صلى الله عليه وسلَّم - في رصد  الأماكن ؛ حتَّى لا يصيبه أذًى، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلَّم - قائلاً: ((يا أبا بكر، لو كان شيء، أحببتَ أن يكون بك دوني؟))، فقال أبو بكر: "والذي بعثك بالحقِّ، ما كانَتْ لتكون من مُلِمَّة إلاَّ أن تكون بي دونَك"، فلما انتهَيا إلى الغار، قال أبو بكر: "مكانك يا رسول الله، حتَّى أستَبْرِئ لك الغار"؛ رواه الحاكم في "المستدرك"، وقال الذَّهبي: صحيح مُرسل.
  •  

رابعا إتقان التخطيط 

  •  تعلِّمنا الهجرة كيف يؤدِّي التخطيطُ الجيِّد دَوْرَه في تحقيق النَّجاح،  فالصَّدِيق قبل الطريق، والراحلة تُعْلَف وتُجهَّز قبل أربعة أشهر وبِسرِّية تامَّة، وعليُّ بن أبي طالب يُكَلَّف بالنوم في فراش النبِيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - تَمويهًا على المشركين.
  •  
  • وأمَّا دور المرأة، فيمثِّله قولُ عائشة - رضي الله عنها - متحدِّثة عن نفسها وأختها أسماء: "فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجَهازِ" أسرعه، والجَهاز: ما يُحتاج إليه في السَّفر، "وصنَعْنا لهما سُفْرة" الزَّاد الذي يُصْنع للمسافر "في جِراب" وعاء يُحْفَظ فيه الزاد ونَحْوه، "فقطعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نِطاقها، فربطَتْ به على فَمِ الجراب، فبذلك سُمِّيَت ذات النطاقين"؛ البخاري.
  •  
  •  
  • ومِن جميل  التخطيط، كان الراعي عامِرُ بن فهيرة يسلك بغنمه  طريق الغار؛ لِيُزيل آثار الأقدام المؤدِّية إليه، ثم يسقي النبِيَّ - صلى الله عليه وسلَّم - وصاحبَه مِن لبن غنَمِه.
  •  
  • ومن كمال التخطيط أنِ اتَّخَذ النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - عبدالله بن أريقط دليلاً عارفًا بالطريق برغم كونِه مشركًا، ما دام مؤتَمنًا، متقِنًا لعمله؛ ولذلك أرشدَهم - بِمهارته - إلى اتِّخاذ طريق غير الطريق المعهودة.
  • وأخيرا أيها الأحباب كانت هذه بعض الدروس المستفادة من هجرة حبيبنا المصطفي صلي الله علييه وسلم .
  •  

  •  
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة

المقالات

13

متابعين

6

متابعهم

4

مقالات مشابة