شرح دعاء نبى الله نوح عليه السلام .
دعاء يحمل قلب نبيّ… قبل أن يكون كلمات
في ختام رحلة طويلة من الصبر والدعوة، وقف نبيّ الله نوح عليه السلام يناجي ربّه بدعاءٍ قصير في كلماته، عظيم في معناه:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾
هذا الدعاء ليس مجرد طلب مغفرة، بل صورة حيّة لقلب١ نبيّ عاش عمره بين الأذى والرفض، ومع ذلك ختم دعوته بالرحمة لا بالانتقام.
أولًا: “ربِّ اغفر لي”
يبدأ نوح عليه السلام بنفسه.
رغم أنه نبيّ، ورغم طاعته، إلا أنه يعلّمنا أعظم درس في التواضع:
أن الإنسان — مهما بلغ — يحتاج إلى مغفرة الله دائمًا.
وكأن المعنى:
يا رب، أنا عبد ضعيف، لا أنجو إلا برحمتك.
وهنا نفهم أن القرب من الله لا يجعل الإنسان يغتر، بل يجعله أكثر خوفًا واحتياجًا.
ثانيًا: “ولوالديَّ”
بعد نفسه، يتذكر أبويه.
وهذا ترتيب جميل:
النفس
ثم الوالدان
ثم الناس جميعًا
وفيه رسالة واضحة:
البر لا ينتهي عند الحياة، بل يستمر بالدعاء بعد الموت.
كأن نوحًا يقول:
يا رب، كما ربّياني صغيرًا، فاجزهما رحمة كبيرة عندك.
ثالثًا: “ولِمَن دخل بيتي مؤمنًا”
البيت هنا ليس مجرد جدران، بل رمز للأمان والإيمان.
أي: كل من لجأ إلى نوح مؤمنًا بدعوته، طالبًا النجاة مع الله.
رابعًا: “وللمؤمنين والمؤمنات”
ثم يوسّع الدعاء ليشمل البشرية المؤمنة كلها، لا يخص زمنه فقط، بل كل مؤمن إلى يوم القيامة.
وهنا تظهر عظمة القلب النبوي: رغم ما لقيه من أذى، لم يدعُ على الناس، بل دعا لهم، وهذا درس عظيم في الرحمة: فالقلب النبوي لا يختزن الضغينة، بل يفيض محبة ورحمة لكل مؤمن.
وفي هذا:
وفاء لأهل الإيمان
واعتراف بفضل من صدّقه في زمن التكذيب
كأنه يقول:
يا رب، لا تنسَ هؤلاء القلّة الذين ثبتوا حين خذلني الجميع.
رابعًا: “وللمؤمنين والمؤمنات”
ثم يوسّع الدعاء ليشمل البشرية المؤمنة كلها.
لا يخص زمنه فقط، بل كل مؤمن إلى يوم القيامة.
وهنا تظهر عظمة القلب النبوي: رغم ما لقيه من أذى، لم يدعُ على الناس، بل دعا لهم.
وهذا قمة الرحمة.
الخاتمة:
إن هذا الدعاء يجمع بين التواضع، البر، الوفاء، والرحمة العامة. ليس مجرد كلمات، بل خريطة قلب نبيّ تعلمنا أن الدعاء قوة، وأن الرحمة سبب لسلام النفس والآخرين.
كما يذكّرنا دعاء نوح عليه السلام أن العظمة الحقيقية ليست في المنصب أو القوة، بل في القدرة على التسامح والدعاء للآخرين بالخير. فحتى في أقسى الظروف، يمكن للقلب أن يبقى طاهرًا، ينظر للناس بعين الرحمة بدل الانتقام.
إنها رسالة لكل مؤمن: أن حياتنا قصيرة، لكن أفعالنا ودعواتنا باقية. بالتواضع أمام الله، وبر الوالدين، والإحسان لمن حولنا، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، نعيش حياة مليئة بالسلام الداخلي والقرب من الله.
دعاء نوح عليه السلام يعلّمنا أن الصبر على الابتلاء والرحمة في التعامل مع الناس هما طريق القرب من الله، وأن القلب الذي يحمله الدعاء ليس مجرد قلب يطلب، بل قلب يعطي ويحب ويغفر. وهكذا يصبح دعاؤنا ليس مجرد كلمات نرددها، بل سلوكًا يُترجم إلى حياة مليئة بالرحمة والخير لكل من حولنا.
ماذا نتعلّم من هذا الدعاء؟!
- ✔ التواضع مهما بلغت مكانتك
- ✔ الوفاء للوالدين حيّين وميتين
- ✔ حبّ الخير للناس جميعًا
- ✔ أن المؤمن صاحب قلب واسع لا ضيّق
