القصة: الهجرة إلى المدينة – بداية عهد جديد

القصة: الهجرة إلى المدينة – بداية عهد جديد
خرج النبي محمد ﷺ من مكة المكرمة بعدما اشتد أذى قريش على المسلمين، واشتدت المحن والابتلاءات، فكان الإذن الإلهي بالهجرة إلى المدينة المنورة بداية عهد جديد للإسلام. لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت تحولاً تاريخياً عظيماً غيّر مسار الدعوة الإسلامية من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، حيث انتقل المسلمون من الاضطهاد إلى بناء مجتمع متماسك قائم على العقيدة والإيمان.
خرج النبي ﷺ بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليلاً، واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام، وكان المشركون يطاردونهما حتى وصلوا إلى باب الغار. عندها قال أبو بكر: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، فأجابه النبي ﷺ بكلمات خالدة: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟" 🌙. هذه اللحظة جسدت الثقة المطلقة بالله، وأن الحماية الحقيقية تأتي من الإيمان لا من السلاح أو الجدران.
لم تكن الرحلة سهلة، فقد سلك النبي ﷺ طرقاً وعرة، واستعان بدليل خبير هو عبد الله بن أريقط، وأعد خطة دقيقة للهجرة، حيث كان عبد الله بن أبي بكر ينقل الأخبار، وأسماء بنت أبي بكر تحمل الطعام، وعامر بن فهيرة يرعى الغنم ليخفي آثار الطريق. كل ذلك يوضح أن الأخذ بالأسباب جزء لا يتجزأ من التوكل على الله، وأن التخطيط الدقيق لا يتعارض مع الإيمان بل يكمله.
في أثناء الرحلة، واجه النبي ﷺ وأبو بكر مواقف صعبة، منها مطاردة سرايا قريش، ومنها محاولة سراقة بن مالك اللحاق بهما، لكن الله أنقذ نبيه، حتى غاصت فرس سراقة في الرمال، فعرف أن الأمر إلهي، وطلب الأمان. هذه الحادثة كانت دليلاً على أن الله يحفظ رسوله مهما اشتدت الأخطار، وأن وعد الله بالنصر لا يتخلف أبداً.
بعد أن هدأ الطلب، واصل النبي ﷺ رحلته الشاقة إلى المدينة، حيث استقبله الأنصار بفرح عظيم، مرددين: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع"، معلنين بداية عهد جديد. في المدينة، أسس النبي ﷺ أول دولة إسلامية قائمة على العدل والإيمان، ووضع دستوراً ينظم العلاقة بين المسلمين واليهود والمشركين، فيما عُرف بـ "صحيفة المدينة"، التي كانت أول وثيقة سياسية واجتماعية في الإسلام، وأرست قواعد التعايش السلمي والعدل بين مختلف الطوائف.
الهجرة لم تكن مجرد انتقال مكاني، بل كانت إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة، فيها انتقل المسلمون من الاستضعاف إلى التمكين. تركوا ديارهم وأموالهم، وضحوا بكل شيء في سبيل عقيدتهم، ليؤكدوا أن الإيمان أغلى من الدنيا وما فيها. ومن دروس الهجرة:
- الصبر على البلاء: المسلمون تحملوا سنوات من الأذى قبل أن يأتي الفرج.
- الأخذ بالأسباب: النبي ﷺ خطط للهجرة بدقة، واختار الطريق، واستعان بدليل خبير.
- الثقة بالله: رغم كل الاحتياطات، كان اليقين بالله هو السند الأكبر.
- التضحية في سبيل العقيدة: ترك المسلمون ديارهم وأموالهم، ليحافظوا على دينهم.
الهجرة مدرسة عظيمة تعلمنا أن النصر لا يأتي إلا بعد صبر طويل، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن الإيمان الصادق قادر على تغيير مجرى التاريخ. إنها ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي رسالة متجددة لكل مؤمن يواجه ابتلاءات الحياة، بأن طريق مكة المليء بالصعاب يقود في النهاية إلى مدينة النور والتمكين ✨.