سيدنا صالح والناقة المعجزة

سيدنا صالح والناقة المعجزة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سيدنا صالح عليه السلام: معجزة الناقة وقصة القوم الذين نحتوا الجبال وأهلكتهم الصيحة

 

​بعد أن طويت صفحة قوم عاد الذين أهلكهم الله بالريح العقيم، استخلف الله في الأرض قوماً جدداً ورثوا القوة والتمكين وهم قوم "ثمود". اتخذ هؤلاء القوم من منطقة "الحِجر" مستقراً لهم، وهناك تجلت عظمتهم في فنون العمارة والبناء، فلم يكتفوا ببناء القصور الفارهة في السهول، بل طوعوا الجبال القاسية ونحتوا منها بيوتاً آمنة، ظناً منهم أن هذه الحصون الصخرية ستحميهم من تقلبات الزمن وغضب الله. إلا أن هذا الترف المادي الكبير أعماهم عن شكر المنعم الحقيقي، فاستبد بهم الكبر وعبدوا الأصنام من دون الله، فبعث الله فيهم نبيه "صالحاً"، وهو رجل منهم مشهود له بالعقل والحكمة قبل النبوة، ليدعوهم بلسان المشفق إلى توحيد الله ونبذ الأوثان.

 

​لم يتقبل سادة قوم ثمود دعوة صالح بسهولة، بل واجهوه بالتشكيك في عقله واتهموه بالسحر، ولأنهم أرادوا تعجيزه أمام عامة الناس، طلبوا منه آية ملموسة لا يقدر عليها بشر. قالوا له: "أخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة حية بصفات محددة". فما كان من نبي الله إلا أن لجأ إلى خالقه بالدعاء، فاستجاب الله له وانشقت الصخرة أمام أعينهم المذهولة، وخرجت منها "ناقة الله" كآية حية تمشي على الأرض. كانت هذه الناقة تمثل اختباراً حاسماً للإيمان؛ فلها يوم تشرب فيه من بئرهم، وللقوم يوم يشربون فيه وحدهم، وكان لبنها يكفي القوم جميعاً، لتكون شاهداً يومياً على قدرة الخالق التي تفوق كل ما نحتوه من قصور وجبال.

خديعة الغدر: لماذا عقروا الناقة واستعجلوا وعيد الله؟

​على الرغم من رؤية المعجزة رأي العين، إلا أن الحقد كان يغلي في صدور المفسدين الذين رأوا في وجود الناقة تهديداً لسلطانهم وكبريائهم. وبدلاً من الاتعاظ، تحرك "تسعة رهط" من أشرارهم، يتقدمهم "قدار بن سالف" الذي وصفه القرآن بالأشقى، وقاموا بغدر الناقة وعقرها في وضح النهار. وحين سقطت الناقة غدراً، جاءهم الوعيد الإلهي الذي لا يرد على لسان صالح: "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب". لم تكن هذه الأيام للراحة، بل كانت مهلة أخيرة، لكنهم استغلوها في التمادي في كفرهم، بل وخططوا لاغتيال نبي الله صالح وأهله في جنح الليل، ولم يعلموا أن مكر الله كان يحيط بهم من كل جانب.

​لقد كانت الجريمة التي ارتكبها قوم ثمود بمثابة إعلان حرب على الآيات الربانية، وبرهاناً على أن القلوب القاسية لا يلينها حتى رؤية المعجزات الكبرى. استهزأ القوم بوعيد الأيام الثلاثة، وظنوا أن حصونهم الجبلية المنيعة هي الملاذ الآمن من أي غضب إلهي قد يحل بهم. لم يدركوا أن القوة التي نحتوا بها الصخور هي هبة مؤقتة من الله، وأن الذي وهبهم إياها قادر على نزعها في لمح البصر. إن عقر الناقة لم يكن مجرد قتل لحيوان، بل كان قتلاً لفرصتهم الأخيرة في التوبة والنجاة، وبداية النهاية لحضارة ظنت أنها بلغت من المجد ما يمنعها من الحساب أو الزوال أو حتى الموت.

فجر الهلاك: الصيحة

الجبارة التي تركتهم

 جاثمين في ديارهم

 

​في فجر اليوم الرابع، وبينما كان القوم يترقبون العذاب بسخرية، جاءهم "أمر الله" الذي لا راد له. لم تكن ريحاً ولا طوفاناً، بل كانت "الصيحة"؛ صرخة جبارة من السماء زلزلت الأرض من تحتهم وقطعت قلوبهم في صدورهم من شدة

 هولها. في لحظة واحدة، تحول هؤلاء الذين تفاخروا بنحت الجبال إلى جثث هامدة، وأصبحت بيوتهم الشامخة التي نحتوها في الصخر صامتة خاوية كأن لم يسكنها أحد من قبل. نجا نبي الله صالح والذين آمنوا معه برحمة الله وفضله، وبقيت مدائنهم في منطقة الحجر شاهدة للأجيال القادمة على أن الحضارة بلا إيمان هي سراب، وأن الظلم هو المعول الذي يهدم القصور مهما بلغت حصانتها.

​ختاماً، تظل قصة سيدنا صالح مدرسة خالدة في عواقب الغرور بالعلم والقوة المادية. إن مدائن صالح القائمة حتى يومنا هذا هي رسالة صامتة تخبرنا أن البقاء ليس للأقوى جسداً أو الأكثر عمارة، بل للأنقى سريرة وأكثرهم شكراً لله على نعمه الظاهرة والباطنة. لقد فني القوم وبقيت آثارهم لنتعظ بها، ولنعلم أن القوة الحقيقية تكمن في الخضوع لمن خلق الجبال وجعلها أوتاداً. فالسعيد من اعتبر بغيره، وعلم أن عظمة البنيان لا تغني شيئاً أمام صيحة الحق إذا حانت، وأن العمل الصالح هو الحصن الوحيد الذي لا يهدمه الزمن ولا تنال منه صروف الدهر ويبقى ذخراً لصاحبه

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
جميل حماد تقييم 5 من 5.
المقالات

13

متابعهم

17

متابعهم

95

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.