"حين تحاصر الدنيا.. والنصر يأتي من السماء"
🕌 "حين تحاصر الدنيا.. والنصر يأتي من السماء"
غزوة الأحزاب وحرب غزة — التاريخ لا يُعيد نفسه، بل يُصفّق لأبطاله
غزوة الأحزاب: حين اجتمع العالم ليُطفئ نورًا
في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، ضرب التاريخ موعدًا مع واحدة من أشدّ المحن التي واجهها الإسلام في فجره الأول. لم يكن الأمر مجرد معركة بين جيشين، بل كان مشهدًا مهيبًا لتحالف دولي ضخم، جمع قريشًا وغطفان واليهود والقبائل العربية المتفرقة، كلهم في اتجاه واحد: المدينة المنورة، حيث يقيم النبي ﷺ وصحابته الكرام.
اجتمع نحو عشرة آلاف مقاتل — وهو رقم هائل بمقاييس ذلك الزمان — يحملون السيوف والرماح والحقد الدفين، مصممين على اقتلاع هذه الدولة الناشئة من جذورها. وفي المقابل، لم يكن في المدينة سوى بضعة آلاف من المسلمين، كثيرٌ منهم جائعون، وبعضهم يرتجف من البرد القارص. كانت الأرقام تقول: "المعركة خاسرة"، لكنّ الإيمان كان يقول شيئًا آخر.
جاءت الفكرة العبقرية من الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه: حفر الخندق. هذا الخندق الذي لم يكن مجرد حفرة في الأرض، بل كان رسالةً حضارية مفادها أن العقل المسلم قادرٌ على ابتكار ما لم يعهده العرب من قبل. وقف الجيش المحاصِر أمام الخندق حائرًا، فلم تستطع خيولهم اجتيازه، ولم تنفع حيلهم في تجاوزه.
أسابيع من الحصار، والبرد يعضّ الأجساد، والخوف يتسلل إلى القلوب، حتى قال الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. ثم أرسل الله ريحًا عاتية وجنودًا من الملائكة، فانفرط عقد الأحزاب، وانسحبوا خائبين ذليلين، وانتهت الغزوة بانتصار لم تُشهر فيه سيوف، بل انتصر فيه الصبر والتخطيط والتوكل على الله.
غزة ٢٠٢٣: حين تحاصَر القدس من جديد
بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، وعلى بُعد أميال من مهد الديانات، تكررت الصورة بصورة مذهلة. في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، اشتعلت غزة — ذلك الشريط الصغير من الأرض الذي لا تتجاوز مساحته ٣٦٥ كيلومترًا مربعًا — في مواجهة واحدة من أعتى الآلات العسكرية في العالم الحديث.
حوصرت غزة من البحر والبر والجو. قُطع عنها الماء والكهرباء والغذاء والدواء. واصطفّت خلف الحصار قوى دولية كبرى، تمدّ إسرائيل بالسلاح والمال والغطاء الدبلوماسي. وفي الأمم المتحدة، كانت قرارات وقف إطلاق النار تُولد ميتة بفعل حق النقض (الفيتو). المشهد شبيه بشكل لافت بأحزاب قديمة، تحالفت فيه القوى لإخضاع شعب يرفض الاستسلام.
ومع ذلك، صمد أهل غزة. صمدوا تحت القصف وهم يدفنون أحباءهم، صمدوا وهم ينامون في الخيام على أبواب مستشفياتهم، وصمد الجرحى ينتظرون على أسرّة لا دواء فيها ولا مسكّن. وكما حفر المسلمون خندقًا يوم الأحزاب، ابتكر أهل غزة خنادقهم الخاصة: شبكة الأنفاق التي أذهلت العقول العسكرية، واستراتيجية المقاومة الحضرية التي أربكت أكثر الجيوش تدريبًا وتسليحًا.
أوجه الشبه التي تجعل الروح تقشعرّ
إن المتأمل في الحدثين يجد تشابهًا يتجاوز مجرد الصدفة:
أولًا — التحالف الدولي ضد طرف واحد: كما اجتمعت الأحزاب العربية ضد المدينة المنورة، اجتمعت اليوم قوى غربية وإقليمية لدعم آلة الحرب على غزة دبلوماسيًا وعسكريًا وماليًا.
ثانيًا — الحصار الخانق: في الأحزاب كان الحصار بالجيوش والخيل، وفي غزة كان بالبوارج والطائرات وقطع الإمدادات. الهدف واحد: كسر الإرادة.
ثالثًا — البطولة الخارقة للأفراد: كما سطع اسم سلمان الفارسي بعبقريته، وكما ضرب علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفارس عمرو بن ودّ في مبارزة خالدة، سطعت في غزة أسماء وصور لأطباء يجرون عمليات بلا تخدير، وأمهات يحملن أطفالهن من تحت الأنقاض بأيدٍ مجردة.
رابعًا — الصمود إيمانًا لا قوةً عسكرية: لم يكن المسلمون يوم الأحزاب أقوى من أعدائهم عددًا وعتادًا، وغزة اليوم ليست أقوى من آلة الحرب المقابلة. لكن ثمة شيء آخر يسكن في الصدور: اليقين بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
خاتمة: حين يُصبح التاريخ مرآة
غزوة الأحزاب لم تنته بانتصار عسكري تقليدي، بل انتهت بانسحاب الأعداء وهم يحملون هزيمتهم النفسية. وربما هذا هو الدرس الأعمق الذي تُعلّمه لنا حرب غزة أيضًا: أن النصر الحقيقي ليس دائمًا في إسقاط الخصم، بل في البقاء شامخًا حين يريدك العالم أن تنكسر.
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وما غيّر الله وعده منذ يوم الأحزاب، وإن طال الليل فلا بد للفجر أن يأتي.
مقالة تاريخية تحليلية — تستحضر الماضي لفهم الحاضر
