أولئك آبائي ، عبد الرحمن بن عوف

أولئك آبائي ، عبد الرحمن بن عوف

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

أولئك آبائي ، عبد الرحمن بن عوف

image about أولئك آبائي ، عبد الرحمن بن عوف

مقدمة : 

​"بإباءٍ يطاولُ النجوم، يلتفتُ الفرزدقُ نحو تاريخِ أجدادهِ مُشهراً سيفَ فخرِهِ في وجهِ جرير، قائلاً:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ"

أولاً: مَن هو عبد الرحمن بن عوف؟ — الرجل الذي تحيّر فيه التاريخ


وُلد في مكة المكرمة قبل الإسلام بعشر سنوات من عام الفيل، وكان اسمه قبل الإسلام "عبد عمرو"، فلما أسلم أعطاه النبي ﷺ اسمه الجديد: عبد الرحمن. وكأن الله أراد له أن تبدأ حياته الحقيقية من لحظة إسلامه. كان من أوائل مَن أسلموا، إذ أسلم قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهي شهادة تاريخية لا تُقدَّر بثمن على صدق بصيرته وحسن فطرته. كان أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين رشّحهم سيدنا عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده، وهو تزكية من بطل لبطل لا تحتاج إلى تعليق.


 *ثانياً: المعجزة الاقتصادية — كيف بنى ثروة من لا شيء في أيام معدودة؟


لو تعلمتَ في الجامعة أطروحة عن رجل هاجر إلى مدينة لا يعرف فيها أحداً، وليس في جيبه شيء، ثم بعد سنوات قليلة أصبح من أثرى أثرياء العالم — لقلت: هذه خرافة أو مبالغة روائية. لكنها الحقيقة الموثّقة في كتب التاريخ والسيرة عن عبد الرحمن بن عوف. حين هاجر إلى المدينة، آخاه النبي ﷺ مع سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه سعد أن يقاسمه ماله ونساءه، فأجابه عبد الرحمن بعبارة دخلت التاريخ:
«بارك الله لك في مالك وأهلك، دُلّني على السوق»
دُلّ على السوق، فانطلق يتجر في السمن والأقط، وما مضت أيام قليلة حتى جاء إلى النبي ﷺ وعليه أثر صُفرة. فقال له النبي: «مَهيَم؟» فقال: تزوجت. فقال: «بارك الله لك، أَوْلِم ولو بشاة». هذه الجملة تختصر فلسفته كلها: العمل أولاً، والتوكل على الله ثانياً، والنتائج تأتي بإذنه.


ثالثاً: الثروة في خدمة الرسالة — حين تصبح الأموال جنوداً لله


ما إن فتح الله عليه أبواب الرزق حتى فتح هو أبواب العطاء على مصاريعها. في غزوة تبوك، جاء عبد الرحمن بأربعمائة أوقية من الذهب فتصدّق بها في سبيل الله، فقال له النبي ﷺ:
«بارك الله لك فيما أمسكتَ وفيما أعطيتَ»
وهكذا كانت حياته: كلما ازداد عطاؤه ازداد رزقه. وفي آخر حياته تصدّق بأربعين ألف دينار دفعة واحدة، وأعتق ثلاثين ألف مملوك في الإسلام، وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله. وحين مات، ترك ذهباً كثيراً جداً حتى قطعه ورثتُه بالفؤوس. قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها حين جاءته قوافله الكثيرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابن عوف يدخل الجنة حبواً». فاسترجع عبد الرحمن وبكى، ثم أوقف تلك القوافل كلها وتصدّق بها في سبيل الله. هكذا هم الكبار: لا تجرّهم الثروة نحو النسيان، بل تزيدهم وجلاً وخشية


رابعاً: في ساحة المعركة — التاجر الذي لم يخش الموت


يظن بعض الناس أن الثراء يُرخّي العزيمة ويُضعف الشجاعة، لكن عبد الرحمن بن عوف كسر هذه المعادلة كسراً تاماً. شهد بدراً وأُحداً والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ. وفي أُحد، أُصيب بإحدى وعشرين جرحاً في جسده، وعُرج منها بإحدى قدميه — فكان يمشي بعدها وفي مشيته أثر من تلك الجراح التي حملها شرفاً وفخراً. بل يروي التاريخ أن النبي ﷺ نظر إليه يوم بدر فدعا له:
«اللهم إني أسألك أن تقرّ عينه»
وفي موقف شهير، أقام الصلاة بالمسلمين في إحدى الغزوات قبل وصول النبي ﷺ، فلما جاء النبي ﷺ وجده في الصلاة فانضم معه مأموماً — وكان ذلك تكريماً عظيماً لعبد الرحمن لا يُنسى.


خامساً: البكاء على طعام فيه خبر لا يُحتمل


ولعل من أكثر مواقف عبد الرحمن تأثيراً في النفس، موقف يصور عمق تواضعه ودقة مراقبته لنفسه. يروي لنا الصحابة الكرام أنه حين جِيء له يوماً بطعام في وليمة، رأى أمامه ألواناً من الطعام الشهي، فبكى بكاءً مراً حتى انتحب. سألوه: ما يُبكيك؟ فقال:
«توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، أفلا أبكي؟»
إنها الجملة التي تُسقط القلم من يدك وتجعلك تقف صامتاً أمام عظمة هؤلاء. فهذا الرجل الذي يملك من الذهب والمال ما يُحيّر العقول، يجلس على طعامه الوفير فيتذكر نبيّه الذي لم يشبع من خبز الشعير، فيبكي. هذه ليست لحظة عاطفية عابرة، بل هي عمق الإيمان الذي لا يعيشه إلا مَن نضجت روحه على نار الصحبة النبوية الحقيقية.

سادساً: ماذا يُعلّمنا ابن عوف اليوم؟ — درس لكل مسلم في القرن الحادي والعشرين


في زمن يتساءل فيه كثير من الشباب المسلم: هل يمكن أن أكون ثرياً ومسلماً في آنٍ واحد؟ هل يمكن أن أنجح في دنياي دون أن أخسر آخرتي؟ يأتي عبد الرحمن بن عوف ليجيب بصمت الفعل لا بضجيج الكلام.
نعم يمكن، بل إن الله سبحانه يريد لك أن تكون قوياً في دنياك لتكون نافعاً في دينك. لكنه يضع شرطاً واحداً: ألّا تنسى. ألّا تنسى مَن أنعم، وألّا تنسى مَن جاع، وألّا تنسى أن هذا المال ليس لك، بل أنت وكيله أمام الله.
عبد الرحمن علّمنا أن الهجرة ليست فراراً بل انطلاقاً، وأن السوق ميدان جهاد إذا صحّت النية، وأن العطاء لا يُقلّل الرصيد بل يُضاعفه بإذن الله. علّمنا أن نبكي حين نأكل إن كان في قلوبنا بقية من وجدان، وأن نحمل جراح أُحد في أجسادنا ببسمة الشاكرين لا بتذمّر المتشكّين.
فإن سألك أحد يوماً: مَن قدوتك في الثراء والعطاء والشجاعة والتواضع معاً؟ فأشر إلى الرجل الذي أقام الصلاة وخلفه النبي ﷺ، والذي لما وجد طعامه وفيراً تذكّر جوع سيّد الخلق فبكى.

"رضي الله عن عبد الرحمن بن عوف وعن سائر الصحابة الكرام"

بقلم : 

image about أولئك آبائي ، عبد الرحمن بن عوف
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت تقييم 4.94 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

101

متابعهم

396

متابعهم

2621

مقالات مشابة
-