في هذا المقال

كيف نحيا مع الله في زمن الفتن؟
نعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وتعددت فيه أبواب الغفلة، وأصبح الإنسان يتعرض في يومه لعشرات المؤثرات التي قد تضعف قلبه وتشتت فكره وتبعده عن ربه. فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات، وفتنة الانشغال بالدنيا، وفتنة مواقع التواصل، حتى أصبح الثبات على الطاعة يحتاج إلى مجاهدة مستمرة.
لكن السؤال الأهم ليس: كيف نهرب من الفتن؟
بل: كيف نحيا مع الله وسط الفتن؟
فالمؤمن لا يعيش في الدنيا بعيدًا عن الفتن، وإنما يتعلم كيف يثبت فيها، ويحفظ قلبه، ويعود إلى الله كلما ضعفت نفسه.
أولًا: اجعل علاقتك بالله هي الأصل
حين تكثر الأصوات من حولك، تحتاج إلى صوت القرآن. وحين تضطرب نفسك، تحتاج إلى الصلاة. وحين تضعف أمام الشهوات، تحتاج إلى أن تتذكر أنك عبد لله وأن هذه الدنيا ليست دار القرار.
قال الله تعالى:
«﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28]»
فالطمأنينة الحقيقية لا تأتي من كثرة الممتلكات ولا من إعجاب الناس بنا، وإنما من قلب يعرف ربه ويلجأ إليه.
ثانيًا: احفظ قلبك قبل أن تحاول إصلاح ظاهرك
القلب هو موضع المعركة الحقيقية. قد يرى الإنسان الفتنة بعينيه، لكن الخطر يبدأ عندما يسمح لها أن تستقر في قلبه.
ولهذا يحتاج المسلم إلى مراقبة ما يدخل إلى قلبه من صور وأفكار ومقاطع وكلمات، وأن يسأل نفسه دائمًا: هل هذا الشيء يقربني من الله أم يبعدني عنه؟
قال الله تعالى:
«﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
[الشمس: 9-10]»
وتزكية النفس ليست أمرًا يحدث في يوم واحد، وإنما هي رحلة طويلة من المجاهدة والتوبة والتعلم والعمل.
ثالثًا: لا تستهِن بصغائر الأمور
قد تبدأ الفتنة بخطوة صغيرة: نظرة، أو مقطع، أو صحبة، أو عادة يظن الإنسان أنها بسيطة، ثم تتحول مع الوقت إلى باب واسع من الغفلة.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«حُفَّتِ الجنةُ بالمكارهِ، وحُفَّتِ النارُ بالشهواتِ»
رواه مسلم.
فالطريق إلى الله يحتاج إلى صبر، والطريق إلى المعصية قد يكون سهلًا ومزينًا للنفس.
رابعًا: اجعل لك وردًا ثابتًا من القرآن
في زمن كثرت فيه المعلومات، لا تجعل عقلك يعيش على الأخبار والمقاطع والمنشورات فقط، بينما يضعف نصيب قلبك من كلام الله.
ليس المطلوب أن تقرأ عشرات الصفحات يوميًا، وإنما أن تجعل للقرآن حضورًا ثابتًا في حياتك، ولو كان قليلًا، مع تدبر وعمل.
قال الله تعالى:
«﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الأعراف: 204]»
خامسًا: اختر من تصاحب
في زمن الفتن، البيئة تؤثر في الإنسان أكثر مما يتصور. فالصديق قد يذكرك بالله، وقد يجعلك تستصغر المعصية، وقد يشجعك على الخير، وقد يسحبك بعيدًا عنه.
قال الله تعالى:
«﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾
[الزخرف: 67]»
فابحث عن الصحبة التي إذا جلست معها خرجت من المجلس وأنت أقرب إلى الله، وأكثر رغبة في الخير.
سادسًا: إذا سقطت، فلا تستسلم
من أخطر الفتن أن يظن الإنسان أن كثرة ذنوبه تعني أنه لا يستطيع العودة إلى الله.
وهذا من اليأس الذي لا ينبغي للمؤمن أن يستسلم له.
قال الله تعالى:
«﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
[الزمر: 53]»
قد تضعف، وقد تخطئ، وقد تعود إلى ذنب كنت تظن أنك تركته، لكن المهم ألا تجعل السقوط نهاية الطريق. قم، واستغفر، وتب، وابدأ من جديد.
سابعًا: لا تجعل هاتفك يقود قلبك
من أكبر تحديات هذا العصر أن الإنسان يستطيع أن يفتح أبوابًا لا تنتهي من المحتوى في أي لحظة.
لذلك لا بد أن تتعلم أن تقول: لا.
لا لكل محتوى يفسد قلبك، ولا لكل حساب يزيد غفلتك، ولا لكل عادة تسرق وقتك وتضعف إرادتك.
قال الله تعالى:
«﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[العنكبوت: 69]»
فالمجاهدة ليست أن تكون كاملًا، وإنما أن تستمر في مقاومة ما يبعدك عن الله.
وأخيرًا: عش مع الله، ولا تنتظر زمنًا بلا فتن
لن تأتي مرحلة تختفي فيها كل المغريات والمشتتات، ولن تصبح الدنيا فجأة مكانًا خاليًا من الاختبارات.
لكن يمكنك أن تصبح أنت أقوى بالله.
اجعل لك صلاة لا تتركها، وقرآنًا لا تهجره، وذكرًا يحيي قلبك، وصحبة تعينك، ووقتًا تراجع فيه نفسك، وتوبة تعود إليها كلما أخطأت.
وتذكر أن الثبات ليس ألا تسقط أبدًا، وإنما ألا تجعل سقوطك سببًا في ترك الطريق.
وفي زمن تكثر فيه الفتن، قد يكون أعظم إنجاز لك ألا تخسر قلبك.
فإذا حفظت علاقتك بالله، وكنت كلما ابتعدت عدت، وكلما ضعفت استعنت، وكلما أخطأت تبت، فأنت على طريق الخير بإذن الله.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق