عندما ينحني الكبرياء للحق: قصة إسلام الفَارُوق عُمَر بِن الخَطَّاب
العنوان
عندما ينحني الكبرياء للحق: قصة إسلام الفَارُوق عُمَر بِن الخَطَّاب

مقدمة: غليان مكة وفارس الجاهلية
في دروب مكة الضيقة، وحيث كانت شمس الصحراء الحارقة تعكس حدة الصراعات، كان اسم "عمر بن الخطاب" يثير الرهبة في القلوب. رجلٌ عُرف ببأسه الشديد، وقوته البدنية الهائلة، وولائه الأعمى لتقاليد أجداده. بالنسبة لعمر، كان الإسلام يمثل تهديداً مباشراً لوحدة قريش ومكانتها؛ لذا لم يدخر جهداً في تعذيب المسلمين الأوائل ومحاربة الدين الجديد بكل ما أوتي من قوة.
لكن خلف هذا القناع الصارم، كان هناك قلبٌ يبحث عن الحق، وعقلٌ يزن الأمور بميزان دقيق، بانتظار لحظة الصدق التي ستغير كل شيء.
ليلة القرار الحاسم
في ليلة من ليالي مكة، بلغ الغضب بعمر ذروته. رأى أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) قد فرّق بين المرء وزوجه، وبين الولد وأبيه، فقرر قراره الأخير: "يجب التخلص من محمد". توشّح سيفه، وانطلق في شوارع مكة والغضب يتطاير من عينيه، متوجهاً مباشرة إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث يجتمع النبي وأصحابه.
في طريقه، التقى برجل من بني زهرة يُدعى "نعيم بن عبد الله" (وكان قد أسلم خفية). لمح نعيم الشرر في عيني عمر وسأله: "أين تريد يا عمر؟"، فأجابه عمر بحسم: "أريد محمداً، هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش، سأقتله!".
هنا، أراد نعيم أن يصرف نظر عمر عن النبي ليحميه، فقال له كاشفاً مفاجأة مدوية: "أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ إن ختنك (زوج أختك) سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، قد أسلما وتابعا محمداً على دينه!".
الصدمة داخل بيت فاطمة
وقعت الكلمات على رأس عمر كالصاعقة. أخته وفلذة كبده تترك دين الأجداد؟ تحول مسار غضبه فوراً نحو بيت أخته.
وصل عمر إلى البيت، وكان خلف الباب صوت دافئ يتلو آيات غريبة لم يسمع مثلها من قبل؛ كان الصحابي "خباب بن الأرت" يقرأ على فاطمة وسعيد صحيفة فيها سورة "طه". ما إن شعروا بقدوم عمر، حتى اختبأ خباب، وخبأت فاطمة الصحيفة.
اقتحم عمر البيت هائجاً وهو يصيح: "ما هذه الهيمنة (الهمهمة) التي سمعتها؟". حاولا الإنكار، لكنه صرخ: "لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمداً!". ولم يتمالك نفسه، فوثب على صهره سعيد بن زيد يضربه، فجاءت أخته فاطمة لتدافع عن زوجها، فلطمها عمر على وجهها لطمة قوية سالت منها الدماء.
قوة الإيمان والتحول العظيم
هنا، حدث ما لم يتوقعه عمر. بدلاً من الخوف والانكسار، وقفت فاطمة والدم يسيل على وجهها، وقالت بعزة وإصرار هز أركان الطاغية: "نعم يا عمر، لقد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!".
نزل كبرياء عمر أمام هذا الثبات الأسطوري. نظر إلى دماء أخته، فشعر بالندم والخجل من رجولته التي سمحت له بضرب امرأة. سكن غضبه، ونظر إلى الصحيفة وقال بنبرة هادئة: "أعطوني هذه الصحيفة التي كنتم تقرؤون منها".
رفضت أخته قائلة: "إنك نجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل".
قام عمر، واغتسل، ثم أخذ الصحيفة وبدأ يقرأ:
“طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى...”
تهادت الآيات إلى قلب عمر كالغيث البرق على الأرض القاحلة. اهتزت جوارحه، وانفكت مغاليق قلبه، ولم يملك إلا أن يبكي ويقول: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!".
من غياهب الجاهلية إلى نور الإسلام
خرج خباب بن الأرت من مخبئه مستبشراً، وقال: "يا عمر، إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته البارحة يقول: (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب)".
انطلق عمر فوراً إلى دار الأرقم، وطرق الباب بسيفه. وجل المسلمون، لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) أذن له. دخل عمر، فأخذه النبي بمجامع ثوبه وجذبه جذبة قوية قائلاً: "ما جاء بك يا بن الخطاب؟".
فأجاب عمر بصوت خاشع ومؤمن: "يا رسول الله، جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله".
كبّر النبي صلى الله عليه وسلم، وكبّر أهل الدار تكبيرةً اهتزت لها جبال مكة، وخرج المسلمون لأول مرة في صفين جاهرين بدينهم، يتقدم أحدهما عمر بن الخطاب، والآخر حمزة بن عبد المطلب