تفسير سورة البروج
تفسير سورة البروج
افتتحت سورة البروج بقسم عظيم من الله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، حيث يقسم الله بالسماء المزينة بالبروج، وهي منازل النجوم والكواكب، وباليوم الموعود وهو يوم القيامة، وبكل شاهد ومشهود، تعظيمًا لما سيذكر بعد ذلك، وتنبيهًا إلى أهمية القضية التي تتناولها السورة، وهي قضية الثبات على الإيمان والعدل الإلهي.
ثم يقول تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، والمقصود لُعن وأُبعد عن رحمة الله أولئك الطغاة الذين حفروا أخاديد عظيمة في الأرض وأشعلوا فيها نارًا شديدة، ثم خيروا المؤمنين بين الرجوع عن دينهم أو الإلقاء في النار، فاختار المؤمنون الثبات على عقيدتهم، مقدمين الإيمان على الحياة الدنيا.
ويصف الله المشهد بقوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، أي إن هؤلاء الظالمين كانوا يجلسون حول النار يشاهدون تعذيب المؤمنين بلا رحمة، بل كانوا يتلذذون بما يفعلونه، في صورة من أبشع صور الظلم والطغيان.
ثم يبين القرآن سبب هذا العذاب للمؤمنين بقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، أي لم يكن للمؤمنين ذنب سوى أنهم آمنوا بالله العزيز الذي لا يُغلب، والحميد المستحق لكل حمد وثناء. وهذا يوضح أن أهل الباطل قد يحاربون أهل الحق لمجرد تمسكهم بدينهم.
ويذكر الله صفاته العظيمة بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، ليؤكد أن الله يرى كل ما يحدث، ولن يضيع حق أحد، وأنه سبحانه مطلع على الظالم والمظلوم.
بعد ذلك يتوعد الله الظالمين فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وفي هذه الآية دعوة إلى التوبة حتى لأعظم المذنبين، فإن تابوا قبل الله توبتهم، وإلا فإن العقاب ينتظرهم.
وفي المقابل يبشر الله المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾، فجزاء الصابرين على الإيمان هو الفوز الحقيقي، وليس ما يناله الإنسان من متاع الدنيا الزائل.
ثم تؤكد السورة شدة بطش الله بالظالمين، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، فهو سبحانه القادر على أخذ الجبابرة مهما بلغت قوتهم. ثم يبين قدرته على الخلق والإحياء والإماتة بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، أي يخلق الخلق أول مرة ثم يعيدهم للحساب.
وتجمع السورة بين الترهيب والترغيب، فتذكر أن الله غفور ودود، يغفر لعباده التائبين ويحب المؤمنين، وهو ذو العرش المجيد، صاحب الملك والعظمة والكمال، ويفعل ما يشاء بحكمة وعدل.
ثم تذكر السورة أمثلة من الأمم السابقة، فتشير إلى فرعون وثمود، اللذين كذبا رسل الله وتجبروا في الأرض، ومع ذلك لم تمنعهم قوتهم من نزول العقوبة عليهم، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ وتحذير للمكذبين من أن يسلكوا طريقهم.
وتختم السورة بقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، فتؤكد أن القرآن كتاب عظيم محفوظ بحفظ الله من التبديل والتحريف، وسيبقى هداية للبشر إلى قيام الساعة.
الدروس المستفادة من السورة كثيرة، من أهمها الثبات على الإيمان مهما اشتدت الفتن، واليقين بعدل الله، وأن الظلم مهما طال فإن نهايته الهلاك، وأن الصبر على الحق طريق إلى الفوز العظيم، كما تؤكد السورة أن الله مطلع على أعمال العباد، وأن المؤمن لا يخاف إلا الله، ويثق بأن النصر والجزاء الحسن بيد الله وحده.