حليمة السعدية ورضاعة سيدنا محمد ﷺ.. كيف غيَّرت بركة النبي حياتها؟

مرضعة سيدنا محمد ﷺ.. كيف غيَّرت بركة النبي ﷺ حياة السيدة حليمة السعدية؟
مقدمة
تُعد قصة السيدة حليمة السعدية من أجمل أحداث السيرة النبوية، فهي مليئة بالدروس والعبر التي تُظهر كيف بارك الله تعالى في كل من اقترب من سيدنا محمد ﷺ منذ طفولته. وفي هذه المرحلة من السيرة نتعرف على قصة رضاعته ﷺ، والبركات التي حلت ببيت حليمة السعدية، ثم حادثة شق الصدر التي كانت من أعظم معجزاته في صغره.
لماذا كان أهل مكة يرسلون أبناءهم إلى البادية؟
كان سيدنا عبد المطلب، جد سيدنا محمد ﷺ، يبحث عن مرضعات من خارج مكة ليرضعن النبي ﷺ، كما كانت عادة أهل قريش آنذاك.
ويرجع ذلك إلى أن مكة كانت تستقبل أعدادًا كبيرة من القبائل التي تأتي للحج إلى الأصنام حول الكعبة، وكان عددها يقارب 360 صنمًا، مما أدى إلى انتشار بعض الأوبئة بين الحين والآخر.
ولهذا كان أهل مكة يرسلون أطفالهم إلى البادية حتى يقووا في بيئة صحية، ثم يعودوا بعد ذلك إلى مكة.
قدوم قبيلة بني سعد
جاءت قبيلة بني سعد، وهي من أشهر القبائل التي اشتهرت بالمرضعات، إلى مكة بحثًا عن الأطفال لإرضاعهم مقابل أجر.
وكانت السيدة حليمة السعدية ضمن المرضعات اللاتي قدمن إلى مكة، وقد خرجت مع زوجها وابنها في ظروف شديدة الصعوبة.
فقد كانت تعيش في عام من المجاعة، ولم يكن في صدرها لبن يكفي لإرضاع طفلها، حتى إن ابنها كان يبكي من شدة الجوع.
كما كانت تركب أتانًا (أنثى الحمار) ضعيفة من شدة الهزال، وكان معهم جمل عجوز لا يكاد يدر لبنًا، فكانت رحلتهم بطيئة جدًا مقارنة ببقية المرضعات.
لماذا رفضت المرضعات إرضاع سيدنا محمد ﷺ؟
بدأت المرضعات يختارن الأطفال، وكل واحدة منهن تسأل عن نسب الطفل ووالده، لأن الأجر كان يُدفع من والد الطفل.
فلما علمن أن سيدنا محمد ﷺ يتيم الأب، أعرضن عنه، ظنًا منهن أنهن لن يحصلن على مقابل مناسب.
وبقي النبي ﷺ حتى وصلت السيدة حليمة السعدية، وبعد أن وجدت جميع الأطفال قد أُخذوا، قالت لزوجها:
"والله لا أرجع من بين صواحبي وليس معي رضيع، ولآخذن هذا اليتيم، لعل الله أن يجعل فيه بركة."
بداية البركة في بيت حليمة السعدية
ما إن حملت السيدة حليمة السعدية سيدنا محمد ﷺ، حتى بدأت البركة تظهر بصورة عجيبة.
فقد امتلأ صدرها باللبن، فأرضعت سيدنا محمد ﷺ، ثم أرضعت ابنها حتى شبع بعد أن كان يبكي من شدة الجوع.
ولما ركبت الأتان وهي تحمل سيدنا محمد ﷺ، أخذت تسير بسرعة لم تعهدها من قبل، حتى تعجب من معها.
وعندما رأى زوجها ما حدث قال:
"يا حليمة، لقد أخذتِ نسمةً مباركة."
ومنذ تلك اللحظة تبدلت أحوال الأسرة، وبدأت البركة تعم بيتهم ببركة سيدنا محمد ﷺ.
البركة تعم ديار بني سعد
عندما عادت السيدة حليمة السعدية إلى ديار بني سعد وهي تحمل سيدنا محمد ﷺ، بدأت البركة تظهر على بيتها بصورة لم تعهدها من قبل.
فقد كانت المنطقة تعاني من مجاعة شديدة، وكانت أغنام الناس تعود آخر النهار هزيلة لا تكاد تحمل لبنًا، أما أغنام حليمة السعدية فكانت ترجع ممتلئة باللبن، حتى تعجب أهل القبيلة من ذلك.
وكانوا يقولون للرعاة:
«اسرحوا حيث تسرح غنم حليمة.»
ومع ذلك، لم يجدوا مثل ما وجدته حليمة السعدية من الخير والبركة.
وقد قالت السيدة حليمة:
«فلا نزال نرى من الله الزيادة والخير.»
فكانت بركة سيدنا محمد ﷺ سببًا في تغير حال الأسرة من الضيق إلى السعة، ومن الفقر إلى الخير.
عودة سيدنا محمد ﷺ إلى أمه
وبعد أن بلغ سيدنا محمد ﷺ عامين من عمره، وفُطم من الرضاعة، أعادته السيدة حليمة إلى أمه السيدة آمنة بنت وهب.
لكنها طلبت من حليمة أن يبقى معها مدةً أخرى، خوفًا عليه من الأوبئة التي كانت تنتشر في مكة آنذاك.
فعاد سيدنا محمد ﷺ إلى ديار بني سعد، وبقي هناك حتى بلغ نحو أربع سنوات من عمره.
حادثة شق صدر سيدنا محمد ﷺ
بينما كان سيدنا محمد ﷺ يلعب مع الصبيان، حدثت معجزة عظيمة أخبر بها النبي ﷺ بنفسه، وثبتت في صحيح مسلم.
فجأة جاءه ثلاثة رجال، وكان من بينهم سيدنا جبريل عليه السلام، فأخذوه بعيدًا عن الأطفال.
وروى سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يرى أثر شق الصدر في صدر النبي ﷺ بعد ذلك.
ثم شق جبريل عليه السلام صدر سيدنا محمد ﷺ، واستخرج قلبه الشريف، وأخرج منه ما ورد في الحديث بأنه حظ الشيطان، ثم غسل قلبه بماء زمزم، وأعاده إلى مكانه كما كان.
وكانت هذه الحادثة من المعجزات العظيمة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ، إعدادًا له وحفظًا لقلبه قبل أن يُبعث برسالة الإسلام.
خوف السيدة حليمة السعدية
عندما رأى الأطفال ما حدث، أسرعوا إلى السيدة حليمة السعدية وهم يصرخون، فأسرعت تبحث عن سيدنا محمد ﷺ وهي في غاية القلق.
فلما رأته مقبلًا، وجدته قد تغير لونه من شدة ما مر به، لكنه كان سالمًا معافى.
فازداد خوفها عليه، وقررت بعد ذلك أن تعيده إلى أمه، خشية أن يصيبه مكروه وهي مسؤولة عنه.
الدروس المستفادة
تحمل هذه المرحلة من السيرة النبوية العديد من الدروس والعبر، منها:
أن الله سبحانه وتعالى يبارك فيمن يشاء من عباده.
أن الإحسان إلى اليتيم سبب لنيل الخير والبركة.
أن الله تعالى تكفل بحفظ سيدنا محمد ﷺ منذ طفولته، وأعده لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية.
أن ما ثبت من معجزات النبي ﷺ في السنة الصحيحة نؤمن به إيمانًا كاملًا، لأن قدرة الله سبحانه وتعالى لا يحدها شيء، فهو القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.