صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ: سِيرَةُ رَجُلٍ اشْتَرَى الْجَنَّةَ بِمَالِهِ وَرُوحِهِ

صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ: سِيرَةُ رَجُلٍ اشْتَرَى الْجَنَّةَ بِمَالِهِ وَرُوحِهِ

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ: سِيرَةُ رَجُلٍ اشْتَرَى الْجَنَّةَ بِمَالِهِ وَرُوحِهِ

رَسُولُ اللَّهِ يُرَحِّبُ بِصُهَيْبٍ وَيَقُولُ: رَبِحَ الْبَيْعُ، فَفَازَ الْعَبْدُ وَاشْتَرَى جنة الْخُلْدَ

 

الفصل الأول: غُلامٌ فِي أَرْضِ الرُّومِ

 

فِي بِلَادِ الرُّومِ الْبَعِيدَةِ، وُلِدَ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ لِأَبٍ عَرَبِيٍّ وَأُمٍّ رُومِيَّةٍ. كَانَ أَبُوهُ سِنَانٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَدْ أَسَرَتْهُ جُيُوشُ الْفُرْسِ فِي إِحْدَى الْغَزَوَاتِ، ثُمَّ بَاعَتْهُ إِلَى التُّجَّارِ حَتَّى انْتَهَى بِهِ الْمَطَافُ فِي أَرْضِ الرُّومِ. هُنَاكَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً رُومِيَّةً، وَرَزَقَهُ اللَّهُ بِوَلَدٍ سَمَّاهُ صُهَيْبًا.

 

نَشَأَ صُهَيْبٌ فِي بَيْتٍ تَجَمَّعَتْ فِيهِ ثَقَافَتَانِ: عَرَبِيَّةٌ وَرُومِيَّةٌ. كَانَ يَسْمَعُ مِنْ أَبِيهِ حِكَايَاتِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارَهُمْ، وَيَتَحَدَّثُ بِلِسَانِ الرُّومِ مَعَ أُمِّهِ وَجِيرَانِهِ. شَبَّ عَلَى الْفِطْنَةِ وَالذَّكَاءِ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْفَصَاحَةِ وَحُسْنِ الْبَيَانِ.

 

وَكَانَ أَبُوهُ تَاجِرًا غَنِيًّا، يَمْتَلِكُ مَالًا وَعَقَارًا وَمَاشِيَةً، وَكَانَ يَأْمُلُ أَنْ يَرَى ابْنَهُ وَرَاءَهُ فِي التِّجَارَةِ وَإِدَارَةِ الْأَمْوَالِ. لَكِنَّ الْقَدَرَ كَانَ لَهُ رَأْيٌ آخَرُ، فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ لِصُهَيْبٍ مَصِيرًا أَعْظَمَ مِنَ التِّجَارَةِ وَجَمْعِ الثَّرْوَاتِ.

 

فِي صِبَاهُ، تَعَرَّضَ صُهَيْبٌ لِغَزْوَةٍ رُومِيَّةٍ عَلَى مَوْضِعِهِ، فَأُسِرَ وَبِيعَ فِي سُوقِ النِّخَاسِينَ. دَارَ بِهِ الْبَيَاعُونَ مِنْ سُوقٍ إِلَى سُوقٍ، وَمِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، حَتَّى اسْتَقَرَّ بِهِ الْمَطَافُ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ. هُنَاكَ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَصْبَحَ غُلَامًا عَبْدًا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ.

 

الفصل الثاني: صُهَيْبٌ فِي مَكَّةَ

 

وَحِينَ وَصَلَ صُهَيْبٌ إِلَى مَكَّةَ، وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَعَلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ حَوْلَهَا. رَأَى فِي أَعْيُنِهِمْ نُورًا غَرِيبًا، وَفِي قُلُوبِهِمْ سَكِينَةً لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْلُ. شَعَرَ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ فِيهِ شَيْءٌ خَاصٌّ، أَنَّهُ مَكَانٌ تَهْبِطُ عَلَيْهِ الْبَرَكَاتُ وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الرَّحْمَاتُ.

 

كَانَ سَيِّدُهُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كَثِيرَ الْمَالِ، فَوَكَّلَ إِلَيْهِ التِّجَارَةَ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ فِطْنَةٍ وَذَكَاءٍ، وَأَوْصَاهُ بِالْمُضَارَبَةِ بِمَالِهِ. وَلَمْ يَلْبَثْ صُهَيْبٌ أَنْ أَثْبَتَ جَدَارَتَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَنَمَى مَالَ سَيِّدِهِ وَضَاعَفَهُ، حَتَّى إِنَّ سَيِّدَهُ أَعْجَبَ بِهِ وَجَعَلَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ نَصِيبًا. وَبِالتَّدْرِيجِ، اسْتَطَاعَ صُهَيْبٌ أَنْ يَجْمَعَ مَالًا طَيِّبًا، وَتَحَسَّنَتْ حَالُهُ، حَتَّى أَصْبَحَ مِنَ الْمُوسِرِينَ فِي مَكَّةَ.

 

وَمَعَ كُلِّ هَذَا الثَّرَاءِ، كَانَ قَلْبُ صُهَيْبٍ يَشْتَاقُ إِلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ. كَانَ يَرَى الْعَرَبَ وَهُمْ يَتَنَاحَرُونَ عَلَى أَمْرٍ تَافِهٍ، وَيَتَعَصَّبُونَ لِقَبَائِلِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَعْبُدُونَ أَصْنَامًا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ. وَكَانَ يَذْكُرُ أَبَاهُ وَهُوَ يُحَدِّثُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَعَنِ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ، دِينِ التَّوْحِيدِ.

 

ذَاتَ يَوْمٍ، بَيْنَمَا كَانَ صُهَيْبٌ فِي سُوقِ مَكَّةَ، إِذَا نِدَاءٌ يَأْتِيهِ: "يَا صُهَيْبُ، يَا رُومِيُّ!" الْتَفَتَ فَإِذَا رَجُلٌ وَسِيمُ الطَّلْعَةِ، نَيِّرُ الْوَجْهِ، يَدْعُوهُ بِاسْمِهِ. كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي كَانَ قَدْ بَدَأَ يَدْعُو إِلَى دِينٍ جَدِيدٍ دِينِ الْإِسْلَامِ.

 

تَحَدَّثَ الرَّسُولُ مَعَ صُهَيْبٍ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَبِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. وَكَانَ كَلَامُ الرَّسُولِ يَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِ صُهَيْبٍ كَالْمَاءِ الْعَذْبِ إِلَى الْأَرْضِ الْيَابِسَةِ. فَأَسْلَمَ صُهَيْبٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى دَعْوَةِ الرَّسُولِ.

 

الفصل الثالث: جِهَادُ صُهَيْبٍ وَصَبْرُهُ

 

بَعْدَ إِسْلَامِ صُهَيْبٍ، وَاجَهَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَكَّةَ اضْطِهَادًا شَدِيدًا مِنْ قُرَيْشٍ. كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَذِّبُ الضُّعَفَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَضْرِبُهُمْ وَتَسْمُرُهُمْ فِي الشَّمْسِ، لَعَلَّهُمْ يَعُودُونَ عَنْ دِينِهِمْ. وَكَانَ صُهَيْبٌ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَانَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.

 

وَلَمَّا رَأَى صُهَيْبٌ أَنَّ الْأَذِيَّةَ تَزْدَادُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَخْلُو مِنْ أَذًى، فَكَّرَ فِي الْهِجْرَةِ. هَاجَرَ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ بَحْثًا عَنْ مَلْجَأٍ آمِنٍ، وَهَاجَرَ آخَرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ حِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ.

 

وَلَكِنَّ صُهَيْبًا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَمْرَهُ مُخْتَلِفٌ. فَقُرَيْشٌ لَنْ تَدَعَهُ يَهْرُبُ بِمَالِهِ الْكَثِيرِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ سَيُحَارِبُونَهُ إِنْ حَاوَلَ الْهَرَبَ. فَصَمَّمَ عَلَى خُطَّةٍ ذَكِيَّةٍ تُنْقِذُهُ وَتُنْقِذُ مَالَهُ وَتُحَقِّقُ لَهُ الْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ.

 

فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالَ لَهُ: "يَا صُهَيْبُ، إِنَّا نَرَاكَ قَدْ جِئْتَ إِلَيْنَا شَيْخًا فَقِيرًا، ثُمَّ أَصْبَحْتَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ. وَإِنَّا لَا نَدَعُكَ تَخْرُجُ بِمَالِكَ، وَإِنَّمَا نَمْنَعُكَ إِنَّمَا نَمْنَعُكَ أَنْ تَذْهَبَ بِمَالِكَ كُلِّهِ."

 

فَقَالَ صُهَيْبٌ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلْتُ مَالِي كُلَّهُ لَكُمْ، وَتَرَكْتُمُونِي أَذْهَبُ حَيْثُ شِئْتُ؟"

 

فَقَالُوا: "نَعَمْ."

 

فَاتَّفَقَ صُهَيْبٌ مَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَضَعَ مَالَهُ كُلَّهُ، وَهُوَ يُقَدَّرُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فِي أَيْدِيهِمْ وَيَذْهَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُفْتَقِرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا. وَفَعَلَ صُهَيْبٌ ذَلِكَ، تَارِكًا مَالَهُ فِي مَكَّةَ وَمُتَّجِهًا نَحْوَ الْمَدِينَةِ.

 

وَلَكِنْ لَمَّا خَرَجَ صُهَيْبٌ إِلَى ظَاهِرِ مَكَّةَ، إِذَا عِصَابَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَتْبَعُهُ وَتَقُولُ لَهُ: "رُدَّ إِلَيْنَا مَالَكَ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا جِئْتَ تَسِيرًا فَقِيرًا، ثُمَّ أَصْبَحْتَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ بِفَضْلِنَا."

 

فَقَالَ صُهَيْبٌ: "أَلَا تَذْكُرُونَ أَنَّكُمْ قَدْ أَخَذْتُمُوهُ؟"

 

فَقَالُوا: "نَحْنُ نُعْطِيكَ شَيْئًا مِنْهُ، وَنَرُدُّ عَلَيْكَ بَعْضَهُ."

 

فَقَالَ صُهَيْبٌ: "وَاللَّهِ لَا أَتْرُكُكُمْ تَمْنَعُونِي الْخُرُوجَ، وَلَا أَتْرُكُ لَكُمْ مَالِي، إِنَّهُ عِوَضُ نَفْسِي وَدِينِي." ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ وَقَالَ: "إِنْ كُنْتُمْ تَقْتُلُونِي، فَاقْتُلُونِي هَا أَنَا ذَا!"

 

فَكَفُّوا عَنْهُ وَتَرَكُوهُ يَذْهَبُ، وَأَخَذُوا مَالَهُ كُلَّهُ.

 

 

 الفصل الرابع: صُهَيْبٌ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ

 

وَصَلَ صُهَيْبٌ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِي وَقْتِ الضُّحَى، وَكَانَ مُتْعَبًا مُرْهِقًا، قَدْ تَعَرَّقَ جَبِينُهُ وَاسْوَدَّ وَجْهُهُ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ وَالْعَرَقِ. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.

 

فَلَمَّا رَآهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ رَآهُ مِنْ قَبْلُ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ لَهُ: "أَبِيعٌ وَشِرَاءٌ يَا صُهَيْبُ؟" يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَبِحَ فِي تِجَارَتِهِ.

 

فَقَالَ صُهَيْبٌ وَهُوَ يَبْتَسِمُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا شَيْءٌ يُشْتَرَى إِلَّا وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا يُعْطَى؟ لَقَدِ اشْتَرَيْتُ الْجَنَّةَ، وَتُرِكْتُ الدُّنْيَا."

 

فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَبِحَ الْبَيْعُ، أَبَا يَحْيَى."

 

وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ أَعْظَمَ تَكْرِيمٍ لِصُهَيْبٍ. فَقَدْ بَاعَ كُلَّ مَا يَمْلِكُ فِي الدُّنْيَا مُقَابِلَ الْجَنَّةِ الَّتِي وَعَدَهُ اللَّهُ بِهَا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

 

وَعَاشَ صُهَيْبٌ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِي سَكِينَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، لَمْ يَعُدْ يَخَافُ أَحَدًا، وَلَا يَتَرَقَّبُ مَكْرًا أَوْ غَدْرًا. وَهَنَّأَهُ النَّاسُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ حُبِّهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى قَدَّمَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ دِينِهِ وَخَلَاصِ نَفْسِهِ.

 

فَفِي حَدِيثٍ حَسَنٍ، يُقَالُ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ لِصُهَيْبٍ: "بِعْتَ مَالَكَ وَشَرَيْتَ نَفْسَكَ، رَبِحَ الْبَيْعُ."

 

وَيُقَالُ إِنَّ صُهَيْبًا قَالَ مِثْلَ قَوْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَبِحَ الْبَيْعُ، رَبِحَ الْبَيْعُ."

 

قَالَ عُمَرُ: "يَا أَبَا يَحْيَى، فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا إِلَّا وَمَعَكَ مَالُكَ؟"

 

فَقَالَ صُهَيْبٌ: "أَمَا تَرَضَوْنَ أَنِّي أَخْرَجْتُ نَفْسِي مِنَ النَّارِ وَأَدْخَلْتُ الْجَنَّةَ؟"

 

قَالَ عُمَرُ: "بَلَى."

 

قَالَ صُهَيْبٌ: "فَذَاكَ هُوَ الَّذِي أَنَا فَعَلْتُ."

 

 الفصل الخامس: مَوْقِفُ صُهَيْبٍ فِي الْغَزَوَاتِ

 

وَشَارَكَ صُهَيْبٌ فِي جَمِيعِ الْغَزَوَاتِ مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ بَدْرٍ إِلَى أُحُدٍ إِلَى الْخَنْدَقِ. كَانَ رَجُلًا شُجَاعًا بَاسِلًا، يَقِفُ إِلَى جَانِبِ الرَّسُولِ فِي شِدَّةِ الْأَزَمَاتِ وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ.

 

وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، حِينَ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ فِي بِدَايَةِ الْمَعْرَكَةِ، ثَبَتَ صُهَيْبٌ وَكَانَ مِنَ الْقِلَّةِ الَّذِينَ صَمَدُوا مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُدَافِعُونَ عَنْهُ بِأَرْوَاحِهِمْ. وَكَانَ يُحَارِبُ بِشَجَاعَةٍ وَيَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، وَرَسُولُهُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَا نَنْهَزِمُ."

 

وَفِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، حِينَ حَاصَرَتْ قُرَيْشٌ الْمَدِينَةَ، كَانَ صُهَيْبٌ فِي طَلِيعَةِ الْمُدَافِعِينَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَسَاهَمَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ وَفِي مُوَاجَهَةِ الْعَدُوِّ. وَكَانَ دَائِمًا مُبْتَسِمًا، لَا يَشْكُو وَلَا يَتَذَمَّرُ، بَلْ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ.

 

كَانَ صُهَيْبٌ رَجُلًا عَاقِلًا حَلِيمًا، يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ وَيَحْفَظُ وَقَارَهُ وَتَوَاضُعَهُ. وَكَانَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِحُسْنِ خُلُقِهِ وَطِيبِ قَلْبِهِ.

 

وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَيْشِ، فَلَمَّا كَانَ الْقِتَالُ، أَمَرَنِي فَصِرْتُ فِي الصَّفِّ وَعَلَيَّ دِرْعٌ. فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِذَا هُوَ فِي الصَّفِّ بَيْنَ يَدَيَّ، وَإِذَا مَا يَمُرُّ مِنْ أَحَدِ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا ضَرَبَهُ فَأَبَادَهُ."

 

وَأَثْنَى الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صُهَيْبٍ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَّلِينَ، وَكَانَ قُدْوَةً فِي الْإِيمَانِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالْإِخْلَاصِ.

 

الفصل السادس: وَفَاةُ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ

 

عَاشَ صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ حَتَّى بَلَغَ سِنَّ الْخِطَابِ فِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَكَانَ عُمَرُ يُقَدِّرُهُ وَيَحْتَرِمُهُ، وَيَأْخُذُ بِرَأْيِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ.

 

وَرُوِيَ أَنَّ صُهَيْبًا مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَجَاءَ عُمَرُ يَعُودُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: "كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَا يَحْيَى؟"

 

فَقَالَ صُهَيْبٌ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَنَا بِمَوْجُودٍ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ، وَلَا أَنَا بِمَفْقُودٍ مِمَّا أَرْجُو."

 

وَعِنْدَمَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، دَعَا ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، فَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَوْصِيكَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهَا تُنْمِي الْأَمْوَالَ، وَتُطِيلُ الْأَعْمَارَ، وَتُزَكِّي الْأَعْمَالَ."

 

ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ.

 

وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَقَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ صُهَيْبًا، لَقَدْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، بَاعَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، وَاشْتَرَى الْجَنَّةَ بِمَالِهِ."

 

وَشَيَّعَ عُمَرُ جَنَازَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ إِلَى جِوَارِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

 

 الْخَاتِمَةُ: عِبَرٌ وَدُرُوسٌ

 

فِي سِيرَةِ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ دُرُوسٌ كَثِيرَةٌ نُسْتَفِيدُ مِنْهَا فِي حَيَاتِنَا:

 

**أَوَّلًا: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ:** لَقَدْ تَرَكَ صُهَيْبٌ مَالَهُ كُلَّهُ الَّذِي كَانَ قَدْ جَمَعَهُ طَوَالَ سِنِينٍ، وَضَحَّى بِهِ فِي سَبِيلِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. هَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ حُبِّ الْمَالِ وَالدُّنْيَا.

 

**ثَانِيًا: التَّضْحِيَةُ مِنْ أَجْلِ الْعَقِيدَةِ:** لَمْ يَتَرَدَّدْ صُهَيْبٌ فِي تَرْكِ كُلِّ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ مُقَابِلَ حِفْظِ دِينِهِ وَإِيمَانِهِ. فَكَمْ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ يَضَعُونَ مَصَالِحَهُمْ فَوْقَ مَبَادِئِهِمْ وَعَقِيدَتِهِمْ! وَصُهَيْبٌ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ أَغْلَى مَا نَمْلِكُ.

 

**ثَالِثًا: الذَّكَاءُ فِي التَّصَرُّفِ:** لَمْ يَكُنْ صُهَيْبٌ مُتَهَوِّرًا، بَلْ كَانَ عَاقِلًا حَكِيمًا. لَقَدْ تَفَاوَضَ مَعَ قُرَيْشٍ وَوَضَعَ شَرْطًا مُنَاسِبًا، ثُمَّ عِنْدَمَا نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وَاجَهَهُمْ بِشَجَاعَةٍ وَحِكْمَةٍ. فَالْمُسْلِمُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَبَيْنَ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ.

 

**رَابِعًا: التَّوَاضُعُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ:** كَانَ صُهَيْبٌ مَعْرُوفًا بِتَوَاضُعِهِ وَحِلْمِهِ وَطِيبِ قَلْبِهِ. لَمْ يَتَكَبَّرْ رَغْمَ مَكَانَتِهِ عِنْدَ الرَّسُولِ وَعِنْدَ عُمَرَ، وَكَانَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ.

 

**خَامِسًا: الْهِجْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ:** هِجْرَةُ صُهَيْبٍ تَذْكُرُنَا بِفَضْلِ الْهِجْرَةِ وَأَهَمِّيَّتِهَا، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ إِقَامَةَ دِينِهِ فِي مَكَانٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ يَسْتَطِيعُ فِيهِ الْعِبَادَةَ بِحُرِّيَّةٍ.

 

وَهَكَذَا كَانَتْ حَيَاةُ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ، مِلْءَ الْإِيمَانِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحِكْمَةِ. تَارِكًا لَنَا إِرْثًا عَظِيمًا مِنَ الْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ، وَمُثْبِتًا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَنَّةَ بِمَالِهِ إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي إِيمَانِهِ وَمُخْلِصًا فِي عَمَلِهِ.

 

رَضِيَ اللَّهُ عَنْ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ وَأَرْضَاهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ مَعَ الصَّالِحِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ. إِنَّهُ نِعْمَ الصَّحَابِيُّ، وَنِعْمَ الْقُدْوَةُ، وَنِعْمَ الْمُضَحِّي فِي سَبِيلِ الْحَقِّ.

 

**وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.**

 

**وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ**

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mohamad taha safan تقييم 5 من 5.
المقالات

20

متابعهم

7

متابعهم

2

مقالات مشابة
-