🌙 رحلة فوق حدود الزمان والمكان: القصة الصحيحة الثابتة للإسراء والمعراج
وقعت حادثة الإسراء والمعراج في فترة شديدة من حياة النبي ﷺ، بعد أن فقد زوجته خديجة رضي الله عنها، وعمه أبا طالب، وتعرض لأشد أنواع الأذى من قومه، حتى خرج إلى الطائف يرجو النصرة، فقوبل بالرفض والإيذاء. وفي خضم هذه المحن، جاءت هذه الرحلة العظيمة تكريمًا إلهيًا وتسليةً لقلب النبي ﷺ، لتؤكد أن العناية الربانية تحيط به، وأن المستقبل لهذا الدين.
ثبتت حادثة الإسراء في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المسجد الحرام إِلَى المسجد الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1].
وهذه الآية نصٌّ قطعي في وقوع الإسراء، أما تفاصيل المعراج فقد ثبتت في الأحاديث الصحيحة التي رواها أئمة الحديث، ومنهم البخاري ومسلم.
بدأت الرحلة حين جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ، فشق صدره وغسله بماء زمزم، ثم جاء بالبُراق، وهي دابة بيضاء سريعة، يضع حافره عند منتهى طرفه. ركبها النبي ﷺ، فانطلقت به في جزء من الليل من مكة إلى بيت المقدس، وهي مسافة كانت تستغرق شهرًا ذهابًا وإيابًا في ذلك الزمان.
عند وصوله إلى المسجد الأقصى، جمع الله له الأنبياء، فصلى بهم إمامًا، في مشهد يدل على وحدة الرسالات وخاتمية رسالة الإسلام، وأن النبي ﷺ هو إمام الأنبياء وسيد المرسلين.
ثم بدأت رحلة المعراج، حيث عُرج به إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، ففُتح لهما. في السماء الأولى رأى آدم عليه السلام، وفي الثانية عيسى ويحيى عليهما السلام، وفي الثالثة يوسف عليه السلام، وفي الرابعة إدريس عليه السلام، وفي الخامسة هارون عليه السلام، وفي السادسة موسى عليه السلام، وفي السابعة إبراهيم عليه السلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. وكل نبي كان يرحب به ويقرّ بنبوته.
ثم بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى، وهي موضع عظيم في السماء السابعة، يغشاها من أمر الله ما يغشاها. وهناك فُرضت الصلوات الخمسين على الأمة، ثم خُففت إلى خمس صلوات بأجر خمسين، بعد مراجعة موسى عليه السلام للنبي ﷺ، رحمةً من الله تعالى بهذه الأمة.
عندما عاد النبي ﷺ إلى مكة في الليلة نفسها، أخبر قريشًا بما حدث، فاستبعدوا وقوع ذلك، وسخروا منه، وطلبوا منه وصف المسجد الأقصى، فثبّته الله وبيّنه له حتى وصفه بدقة. أما أبو بكر رضي الله عنه، فلما أخبروه قال: إن كان قال فقد صدق، فسُمّي يومها بالصديق.
إن الإسراء والمعراج لم تكن مجرد رحلة خارقة للعادة، بل كانت رسالة عظيمة تؤكد قدرة الله المطلقة، وتُظهر منزلة النبي ﷺ، وتبيّن أن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولذلك فُرضت في السماء دون واسطة أرضية. كما تحمل الحادثة درسًا عميقًا في أن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن التكريم قد يسبق أعظم التحولات في تاريخ الدعوة، فقد جاءت بعدها الهجرة وبداية قيام الدولة الإسلامية.
تبقى هذه المعجزة الخالدة نورًا يهدي القلوب، ودليلًا على صدق الرسالة، وعنوانًا لعظمة الإسلام الذي جمع بين الأرض والسماء في ليلة واحدة، ليعلّم البشرية أن الإيمان الصادق يفتح للإنسان آفاقًا تتجاوز حدود الزمان والمكان.