الأسود العنسي.. مدّعي النبوة الذي هزّ أركان اليمن في نهاية عهد النبي

المقدمة
في الأيام الأخيرة من حياة النبي محمد ﷺ، وبينما كانت الجزيرة العربية تشهد ولادة دولة جديدة، ظهر رجل في اليمن هدد هذه الدولة من الداخل، وادعى لنفسه ما ليس له، ليصبح واحداً من أخطر مدعي النبوة في تاريخ الإسلام المبكر. إنه عبهلة بن كعب العنسي، المعروف بـ"الأسود العنسي" أو "ذي الخمار". قصة هذا الرجل تجمع بين الطموح السياسي، والسحر والشعوذة، والاغتيال المحكم، وتكشف الكثير عن طبيعة التحديات التي واجهتها الدعوة الإسلامية في بداياتها.
النشأة والنسب
ينتمي الأسود العنسي إلى قبيلة "عنس"، وهي بطن من بطون قبيلة مذحج اليمنية العريقة. اسمه الكامل هو عبهلة بن كعب بن غوث العنسي المذحجي، وقد عُرف بعدة ألقاب، أبرزها "ذو الخمار" لأنه كان يغطي وجهه بخمار لا يُرى منه شيء، و"الأسود" لاسوداد كان في وجهه، أو لأنه كان سيداً على قبيلته.
لم تذكر المصادر التاريخية الكثير من التفاصيل عن حياته المبكرة، ويُعتقد أن المؤرخين تجاهلوا تفاصيل نسبه وحياته الأولى محاولةً للتقليل من شأنه، شأنهم في ذلك شأن كل مدعي النبوة في ذلك العصر.
الظهور والخروج على الدولة
تكمن قوة الأسود العنسي في ثلاث سمات رئيسية: ضخامة جسمه وقوته الجسدية، وفصاحته وبلاغته الخطابية، وقدرته على استخدام السحر والشعوذة لإقناع أتباعه. كان كاهناً مشعوذاً يُري قومه الأعاجيب، ويسبي بمنطقه قلوب من يسمعه.
تزامن خروج الأسود العنسي مع فترة مرض النبي ﷺ بعد حجة الوداع، فاستغل هذه الظرف وبدأ دعوته المعلنة. ادعى النبوة وأطلق على نفسه لقب "رحمن اليمن"، ويُذكر أنه كان لا ينكر نبوة محمد ﷺ، بل كان يزعم أن مَلَكين يأتيانه بالوحي يُسميان "سحيق" و"شقيق".
لكن دوافع الأسود لم تكن دينية بحتة، بل تحمل أبعاداً سياسية وقومية واضحة. فاليمن في ذلك الوقت كانت تحت نفوذ "الأبناء"، وهم من الفرس الذين استوطنوا اليمن واختلطوا بأهلها وكانوا يديرون شؤون البلاد. وكان الأسود العنسي يرى في هذا الوجود الفارسي احتلالاً دخيلاً على أرض اليمن، فاستغل العصبية القبلية ورغبة بعض القبائل في التخلص من الزكاة التي كانت تدفع لقريش، ليجمع حوله أنصاره.
النجاحات العسكرية والسيطرة على اليمن
لم يقتصر الأسود على الدعوة فحسب، بل تحرك عسكرياً بسرعة مذهلة. بدأ مسيرته نحو نجران واستولى عليها بعد عشر ليالٍ من خروجه، ثم توجه إلى صنعاء بجيش قوامه ستمائة أو سبعمائة فارس. خرج إليه والي صنعاء شهر بن باذان، فدارت بينهما معركة انتهت بمقتل شهر وانهزام جيشه، مما مكّن الأسود من دخول صنعاء والاستيلاء على قصر "غمدان" التاريخي بعد خمسة وعشرين يوماً فقط من انطلاق حركته.
بعد هذا الانتصار، امتد نفوذ الأسود العنسي ليشمل مناطق واسعة من اليمن، بما في ذلك حضرموت ونجران والإحساء، وامتد نفوذه حتى حدود الطائف. وأجبر عمال النبي ﷺ في اليمن على الفرار، فهرب معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري إلى حضرموت، وعاد آخرون إلى المدينة المنورة.
استراتيجية النبي ﷺ في مواجهته
لم يرسل النبي ﷺ جيوشاً من المدينة للقضاء على الأسود العنسي، بل اتبع استراتيجية ذكية اعتمدت على تحريك القوى المحلية الموالية للإسلام. أرسل رسلاً بكتب إلى القادة المسلمين في اليمن، يأمرهم فيها بمقاتلة الأسود والعمل على القضاء عليه، سواء بمصادمته أو بالاغتيال. ومن أبرز هؤلاء القادة: فيروز الديلمي، وداذويه، وقيس بن مكشوح المرادي (الذي كان قائد جيش الأسود نفسه ثم مال إلى المسلمين).
كما أرسل النبي ﷺ كتباً إلى زعماء قبائل حمير وهمدان يحثهم فيها على نصرة الإسلام والوقوف في وجه الأسود العنسي. وقد كانت هذه الكتب ذات أثر كبير في تماسك المسلمين في اليمن ورفضهم الانصياع لدعوة الأسود.
نهاية الأسود العنسي: اغتيال محكم
كانت نهاية الأسود العنسي دراماتيكية بقدر ما كانت سريعة. تزوج الأسود بعد سيطرته على صنعاء من "آزاد" (أو إزاد)، وهي زوجة شهر بن باذان التي اغتصبها بعد قتل زوجها. وكانت آزاد امرأة فارسية (ويقال أنها كانت ابنة عم فيروز الديلمي)، مؤمنة بالله ورسوله، وتحمل في قلبها حقداً وكراهية للأسود الذي قتل زوجها وأجبرها على الزواج منه.
اتصل فيروز الديلمي بآزاد سراً، وعرض عليها فكرة التخلص من الأسود، فوافقت دون تردد. وقد دبرت آزاد خطة ذكية لتسهيل مهمة الاغتيال. أخبرت فيروز بموقع القصر ونقاط الضعف فيه، ووعدته بأن تسقي الأسود الخمر حتى يسكر وينام.
وفي الليلة المتفق عليها، وبعد أن سكّر الأسود وغرق في نومه، تسلل فيروز إلى غرفة نومه، وكانت آزاد تنتظره، فطعنه فيروز وهو نائم حتى قتله. وعندما سمع الحراس الصراخ، سألوا عما يحدث، فأجابتهم آزاد: "النبي يوحى إليه"، فسكنوا واطمأنوا، ليفاجؤوا في صباح اليوم التالي بقيس بن مكشوح يصعد إلى سور القصر ويصرخ بأعلى صوته: "أشهد أن محمداً رسول الله، وأن عبهلة العنسي كذاب"، ثم ألقى رأس الأسود إلى الجموع المحتشدة. وهنا انهارت حركته بالكامل، وتفرق أتباعه، وعادت صنعاء إلى حكم المسلمين.
المفارقة النبوية
قبل أن تصل أنباء مقتل الأسود العنسي إلى المدينة المنورة، أخبر النبي ﷺ أصحابه بخبر مقتله، قائلاً: "قُتِلَ الأسودُ العنسيُّ البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيتٍ مباركين"، وسئل: من هو؟ فقال: "فيروز، فيروز". وقد كان ذلك قبل وصول الخبر الرسمي بأيام، مما أظهر صدق نبوته وأثر في نفوس أصحابه.
الخاتمة
مهما اختلفت النظرات إلى شخصية الأسود العنسي، فإن قصته تبقى جزءاً مهماً من تاريخ الإسلام المبكر، وتكشف عن مدى التحديات التي واجهها النبي محمد ﷺ في توحيد الجزيرة العربية تحت راية الإسلام. وتُظهر قصته كيف استطاع النبي بحكمته وذكائه أن يواجه هذه التهديدات دون أن يغادر المدينة المنورة، معتمداً على ولاء وإخلاص من آمنوا به واتبعوا رسالته في مختلف أنحاء الجزيرة. لقد كانت نهاية الأسود العنسي درساً لكل من تسول له نفسه تحدي هذا الدين الجديد، ومثالاً على كيف يمكن للخطط المحكمة والإخلاص للعقيدة أن تنتصر على الباطل مهما تفاقم سلطانه.