عدل عمر بن الخطاب ورحمته بالرعية

يُعدُّ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أعظم القادة الذين عرفهم التاريخ الإسلامي، فقد كان مثالًا يُحتذى به في العدل، والرحمة، وتحمل المسؤولية. وقد اشتهر بين المسلمين بلقب "الفاروق" لأنه كان يفرق بين الحق والباطل، وكان شديد الحرص على إقامة العدل بين الناس، غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم. ومن أبرز القصص التي تجسد عدله ورحمته قصة المرأة الفقيرة وأطفالها الجائعين، وهي قصة تُظهر عظمة الإسلام في تربية القادة على خدمة الناس وتحمل مسؤولية الرعية.
في إحدى الليالي، خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه كعادته يتفقد أحوال المسلمين بنفسه. كان يرى أن الحاكم مسؤول أمام الله عن كل فرد في دولته، لذلك لم يكن يكتفي بما ينقله إليه الناس من أخبار، بل كان يخرج ليلًا ليرى أحوالهم بعينيه. وكان برفقته خادمه أسلم، يسيران في هدوء بين أطراف المدينة المنورة.
وأثناء سيرهما، لاحظ عمر نارًا مشتعلة في مكان بعيد، فتوجه نحوها ليستطلع الأمر. وعندما اقترب، وجد امرأة تجلس بجوار قدر موضوع فوق النار، وحولها مجموعة من الأطفال الصغار يبكون من شدة الجوع. تأثر عمر كثيرًا بمنظرهم، فتقدم وسأل المرأة عن حالها، فقالت إنها امرأة فقيرة، وأن أطفالها يبكون لأنهم لم يجدوا طعامًا يأكلونه.
ثم سألها عمر عن القدر الموضوع على النار، فأجابته بحزن شديد: "وضعت فيه ماءً فقط، لأوهم أطفالي أن الطعام يُطهى، لعلهم يهدؤون وينامون." ثم قالت وهي لا تعلم أن من يكلمها هو أمير المؤمنين: “الله بيننا وبين عمر بن الخطاب، فإنه لم يهتم بأمرنا.”
عندما سمع عمر هذه الكلمات، تأثر تأثرًا بالغًا، وشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه. لم يغضب من المرأة، بل أدرك أن تقصيره في معرفة حالها هو الذي دفعها لقول ذلك. فأسرع مباشرة إلى بيت مال المسلمين، وأخذ كيسًا من الدقيق وبعض السمن والطعام.
عرض عليه خادمه أسلم أن يحمل الطعام بدلًا منه، لكنه رفض وقال كلمته الشهيرة: "أتحمل عني وزري يوم القيامة؟" فقد كان يعلم أن المسؤولية أمام الله لا يمكن لأحد أن يحملها عنه.
حمل عمر الطعام بنفسه، وسار به حتى وصل إلى المرأة. ثم جلس بجوار النار، وأخذ يُعد الطعام بيديه الكريمتين، حتى نضج وقدمه للأطفال. وظل جالسًا يراقبهم وهم يأكلون حتى شبعوا، ورأى البسمة تعود إلى وجوههم بعد البكاء والحزن.
في الصباح، ذهبت المرأة إلى مجلس الخليفة، فعرفت أن الرجل الذي ساعدها هو عمر بن الخطاب نفسه، فشعرت بالخجل واعتذرت له عن كلامها. لكنه لم يعاتبها، بل قابلها برحمة وتواضع.