جَدْوَلُ الوَرَعِ الرَّقِيق: كَيْفَ أَثْمَرَتْ تَفَّاحَةُ النَّهْرِ إِمَامَ الدُّنْيَا؟
كَيْفَ أَثْمَرَتْ تَفَّاحَةُ النَّهْرِ إِمَامَ الدُّنْيَا؟

في دروب الكوفة وحشة وجوع
في أزقة مدينة الكوفة التاريخية، وحيث كانت الحياة تموج بالعلماء والزُهاد، كان يعيش الشاب ثابت بن نعمان حياة يملؤها العفاف والفقر الشديد. لم يكن ثابت يملك من حطام الدنيا شيئاً يُذكر، بل كان يقتات على الكفاف ويقضي جلّ وقته في العبادة والبحث عن الرزق الحلال الذي يضمن به سلامة دينه. وفي أحد الأيام الممتدة بالهجير، اشتد بالجوع المسير، وبلغ به الجهد مبلغه حتى كادت قواه تنهار تماماً، ولم يكن في جيبه درهم واحد ولا كسرة خبز يابسة تقيم صلبه، فخرج يمشي على غير هدى بجانب ضفاف نهر الفرات لعله يجد ما يطفئ به نار سغبه وجوعه الذي أنهك جسده النحيل.

القضمة المستعجلة وصحوة الضمير
بينما كان ثابت يسير بخطوات مثقلة على حافة النهر، أبصرت عيناه تفاحة حمراء زاهية تتقاذفها الأمواج الصغيرة وتجرفها مياه الفرات العذبة. وتحت تأثير الجوع القاهر واللحظة العفوية التي غاب فيها تركيزه، امتدت يده والتقطت الثمرة من الماء، ودون تفكير قضم منها قضمة واحدة سدت رمقه اللحظي. ولكن، ما إن استقرت تلك اللقمة الصغيرة في جوفه حتى انتفض جسده رعباً واستفاق ضميره الحي كصعقة كهربائية؛ فصار يحدث نفسه بوجل شديد: "ويل لي! كيف تجرأت على أكل ثمرة لا أعلم من صاحبها؟ وكيف أدخلت جوفي طعاماً لم يحلّه لي أحد؟" فامتزجت حلاوة التفاحة في فمه بمرارة الندم والخوف من وعيد الله.

رحلة البحث الشاقة والشرط العجيب
لم يهدأ لثابت بال، ولم يستطع إكمال طريقه، فقرر فوراً أن يسير عكس تيار النهر باحثاً عن مصدر هذه التفاحة وبستانها الأصلي ليتبرأ من ذنبه. مشى مسافات طوال وعرق الجبين يتصبب منه حتى وصل إلى بستان عظيم تمتد أشجاره على الضفة، فعلم أنه غايته. دخل البستان والتقى بصاحبه، وكان شيخاً وقوراً تظهر عليه علامات الصلاح، فقص عليه ثابت خبر القضمة بصدق تدمع له العين، طالباً منه أن يسامحه أو يبيعها له. نظر الشيخ إليه طويلاً وتعجب من هذا الورع النادر، وأراد أن يختبر معدن هذا الشاب التقي، فقال له بحسم: "والله لا أسامحك فيها أبداً في الدنيا ولا في الآخرة إلا بشرط واحد؛ وهو أن تتزوج ابنتي!".

العروس ذات الأوصاف الثقيلة
ظن ثابت في البداية أن الأمر يسير وأن الشيخ يكافئه، لكن الشيخ سرعان ما صدمه بأوصاف ابنته قائلاً: "ولكن اعلم يا شاب أن ابنتي هذه عمياء لا ترى شيئاً، وصماء لا تسمع أحداً، وبكماء لا تتكلم، ومقعدة لا تستطيع السير على قدميها! فإن رضيت بها على هذا الحال سامحتك، وإلا فموعدنا القصاص بين يدي الله". وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس ثابت، ودخل في حيرة شديدة؛ كيف للشاب في مقتبل عمره أن يرتبط بامرأة فاقدة لكل هذه الحواس؟ ولكن خوفه من العقاب الإلهي وقضمة التفاحة الحرام جعله يوازن بين بلاء الدنيا الفاني وبلاء الآخرة الباقي، فرفع رأسه وقال بنبرة ملؤها الرضا: "لقد قبلت بها يا عماه لأشتري رضا الله".

ليلة الزفاف والمفاجأة المذهلة
تمت مراسم عقد النكاح وسط أجواء مشحونة بالرهبة، وحان وقت دخول ثابت على زوجته المفترضة. دخل الغرفة وهو يمشي بخطى ثقيلة وقلب وجل، متهيئاً لرؤية امرأة مقعدة لا تتحرك، فلما ألقى السلام، تفاجأ بصوت عذب يرد عليه السلام، وفتاة كأنها فلقة قمر في الحسن والجمال، قامت واقفة على قدميها لتستقبله بحفاوة! ذهل ثابت وصدم، وظن أنه أخطأ الغرفة، فخرج مسرعاً إلى والدها قائلاً: "يا عماه، لقد زوجتني غير ابنتك التي وصفت!". فتبسم الشيخ الوقور وقال له: "بل هي ابنتي يا بني، ولكني وصفتها بأنها عمياء لأنها لا تنظر للحرام، وصماء لأنها لا تسمع الغيبة، وبكماء لأنها لا تنطق إلا بذكر الله، ومقعدة لأنها لا تخطو خطوة لمعصية.. ولقد بحثت لها عن زوج يتقي الله فيها، فلم أجد خيراً منك".

الثمرة المباركة التي أضاءت الأمة
عاش ثابت مع زوجته الصالحة في رغد من العيش يملأ بيتهما التقوى والبركة التي بدأت بتفاحة ترفع عنها الشاب خوفاً من الله. ولم تقف بركة هذا الورع الخالص عند حدود حياتهما الزوجية، بل أثمرت هذه النبتة الطيبة واللقمة الحلال عن ولادة طفل ملأ طباق الأرض علماً وفقهاً ونوراً؛ فكان هذا الغلام هو "النعمان بن ثابت"، الذي عرفه التاريخ وتدارس علمه ملايين البشر تحت اسم "الإمام أبو حنيفة النعمان"، صاحب المذهب الحنفي الشهير وأحد الأئمة الأربعة الكبار. لتبقى هذه القصة عبرة خالدة تؤكد أن من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه في ذاته، وأهله، وذريته إلى يوم الدين.