قصة ملكة سبأ
قصة ملكة سبأ
*حين قادها العقل من عبادة الشمس إلى نور الحق*
في زمنٍ كان فيه الملك ملكين، والنبوة نبوة، حكم الله لنبيه سليمان بن داود عليهما السلام ملكًا لم يُؤته أحدًا من قبله ولا بعده. سخّر له الريح تجري بأمره، وعلّمه منطق الطير، وسخّر له الجن والإنس، فكان ملكه آية من آيات الله في الأرض.
وفي أقصى الجنوب، في أرض اليمن السعيدة، قامت مملكة سبأ، وجلست على عرشها امرأة حكيمة اسمها بلقيس. كانت ذات رأيٍ سديد، وملكٍ عظيم، وجنودٍ لا يُقهرون. لكن العظمة المادية وحدها لا تملأ فراغ الروح، فكانت بلقيس وقومها يسجدون للشمس من دون الله، يرون فيها النور والبهاء، فعبدوها وغفلوا عن خالق النور والشمس والقمر.
لم يغب هذا الأمر عن سليمان عليه السلام، فقد كان له جندٌ من الطير لا يغيب عنه صغيرٌ ولا كبير. جاءه الهدهد يومًا بخبرٍ عجيب، فقال: "أحطتُ بما لم تُحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدتُ امرأةً تملكهم، وأوتيت من كل شيء ولها عرشٌ عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون".
فتبسم سليمان عليه السلام، فما كان ملكه للبغي والاستعلاء، وإنما كان للدعوة والهداية. وقال: "سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون".
كتب سليمان رسالة قصيرة لكنها ثقيلة في ميزان الحق: "بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين". ثم ختمها بخاتمه، وأعطاها للهدهد.
فلما وصلت الرسالة أخذت بلقيس الرسالة فقرأتها، لم تكن رسالة ملكٍ يطلب الجزية، ولا قائدٍ يهدد بالحرب في البداية. كانت دعوةً إلى التوحيد، وإلى الخضوع لله رب العالمين. فعرفت أن الأمر جلل، وأن من كتبها ليس ملكًا عاديًا.
جمعت بلقيس وزراءها وكبراء قومها، وقالت لهم: "يا أيها الملأ إني أُلقي إليّ كتابٌ كريم. إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين". ثم استشارتهم في الأمر، فقالوا بلسان القوة والجاه: "نحن أولو قوةٍ وأولو بأسٍ شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين". كانوا يميلون إلى الحرب، يثقون بكثرة عددهم وعدتهم.
لكن بلقيس لم تكن ملكةً متهورة. كان عقلها أرجح من سيفها. فقالت كلمةً تكتب بماء الذهب: "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون". كانت تعرف أن الحرب تأكل الأخضر واليابس، وأنها إن خسرت فلن يبقى لمملكتها أثر.
ثم قررت سياسة أخرى. قالت: "وإني مرسلةٌ إليهم بهدية فناظرةٌ بم يرجع المرسلون". أرادت أن تختبر هذا الملك النبي، أهو طالب دنيا فيُرضى بالمال، أم هو نبي حق لا يرضى إلا بالإيمان؟
جهزت بلقيس هديةً عظيمة تليق بملك، من الذهب والجواهر والتحف النادرة، وأرسلتها مع وفدٍ من كبراء قومها. فلما وصلوا إلى سليمان وعرضوا عليه الهدية، نظر إليها نظرة المستغني، وقال: "أتمدونن بمالٍ فما آتاني الله خيرٌ مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنودٍ لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلةً وهم صاغرون".
رجع الوفد إلى بلقيس، وقصوا عليها ما رأوا وسمعوا. فعندها أيقنت أن سليمان ليس ملكًا عاديًا، وأن ما معه ليس من الدنيا. أدركت أن الله منحه ملكًا لا يُقهر، وأن دعوته حق، فقررت الذهاب إليه بنفسها.
وأمر سليمان جنوده أن يأتوه بعرشها قبل أن تأتي، فأتاه به عفريتٌ من الجن في طرفة عين. فلما جاءت بلقيس، قال لها سليمان: "أهكذا عرشك؟" قالت: "كأنه هو". فلما دخلت الصرح الممرد من قوارير، حسبت اللجة ماءً فكشفت عن ساقيها، فقال لها سليمان: "إنه صرحٌ ممردٌ من قوارير".
هنا سقط كل ما تبقى من تعلقٍ بعبادة الشمس. رأت بلقيس بعينها قدرة الله التي لا تُجارى، وعلمت أن سليمان نبيٌ مرسل. فرفعت يديها وقالت الكلمة التي غيرت مصيرها: "رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين".
وهكذا انتقلت بلقيس من ظلمة عبادة المخلوق إلى نور عبادة الخالق. لم يغلبها سليمان بجيشه، بل غلبها حجته وحكمته. وصدق الله إذ قال: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".
في القصة درسٌ لكل صاحب عقل: أن الحكمة أن تراجع نفسك إذا جاءك الحق، وأن القوة الحقيقية ليست في الجند والعرش، بل في الانقياد للحق حين يتبين.
