قصة لا ينسانا الله
قصة لا ينسانا الله
كان حاتم الأصم رجلًا صالحًا، زاهداً عابداً، وقد تمنّى من أعماق قلبه أن يحج بيت الله الحرام. لكنه كان فقيراً لا يملك من المال ما يكفيه لنفقة الطريق، ولا ما يتركه لأولاده العشرة في غيابه عنهم.
ولما اقترب موسم الحج، وبدأ الناس يتجهزون للسفر، جلس حاتم في بيته مهموماً حزيناً. رأته ابنته الصغرى، وكانت أتقاهن وأشدهن إيماناً، فسألته: "ما يحزنك يا أبتِ؟" فتنهد وقال: "يا ابنتي، والله ما يحزنني إلا أني أشتاق للحج، ولا أملك زاداً ولا راحلة، وأخاف عليكم الجوع من بعدي".
نظرت إليه البنت بثقة لم يعهدها في أحد، وابتسمت ابتسامة الواثق بربه وقالت: "يا أبتِ، الله يرزقنا ويرزُقك، اذهب لحجك متوكلاً". كلماتها أيقظت في قلبه اليقين، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم جمع ما في بيته من مال، فلم يجده يكفيهم إلا لثلاثة أيام فقط. تركه لهم وخرج قائلاً: "استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه".
وفي أول الطريق، نزلت القافلة للراحة، فإذا بعقرب يلسع أمير الرحلة، واشتد به الألم حتى أشرف على الهلاك. بحثوا عن طبيب فلم يجدوا، فتقدم حاتم وقرأ عليه من كتاب الله ورقاه، فبرئ الأمير بإذن الله كأن لم يمسه سوء. فرح الأمير به فرحاً شديداً، وأعطاه صرة من الدنانير تكفيه للحج وزيادة، وقال: "هذا جزاؤك". فرفع حاتم يديه للسماء ودعا: "يا رب، كما رزقتني من حيث لا أحتسب، ارزق عائلتي وأنت خير الرازقين".
في بيته، مرت الأيام الثلاثة سريعاً ونفد الطعام. بدأ الجوع يقرص بطون عائلته، فاجتمعوا على أختهم يلومونها: "أنتِ من شجع أبانا على الرحيل". فقالت بهدوء: "يا إخوتي، أجيبوني: هل أبونا رزّاق أم آكل للرزق؟" قالوا: "بل آكل للرزق، والرزّاق هو الله". قالت: "فقد ذهب آكل الرزق، وبقي الرزّاق الحي الذي لا يموت".
وبينما هم كذلك، دق الباب طارق. فتحوا فإذا حارس من حرس السلطان يستسقي لسيده الذي مر بالموكب. سقوه من ماء بيتهم، فلما شرب الأمير وجد له طعماً عذباً لم يذق مثله في قصره. سأل: "من بيت من هذا الماء؟" قالوا: "من بيت حاتم الأصم". قال: "عبد صالح، نادوه لأكافئه". قالوا: "إنه في الحج". فخلع الأمير خاتمه الماسي الثمين ورماه إليهم قائلاً: "هذا لهم، ومن كان له مثل هذا الجار فلا يضيع".
باعوا الخاتم بمال عظيم، واشتروا الطعام والكسوة حتى فاض الخير. أخذوا يضحكون من الفرح، أما البنت فجلست تبكي. تعجبوا وقالوا: "عجباً لكِ، يوم جعنا كنتِ تضحكين، واليوم شبعنا تبكين!" فمسحت دموعها وقالت: "نظرت إلينا نظرة مخلوق فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟ هذا هو تدبير الله لأبينا".
العبرة: إذا كانت النوايا والأعمال صادقة لله تعالى فإنّ الله يعلم ذلك ويُكافئ صاحبها على صدقه بطريقة لا يتوقعها أحد.
