قصة بائعة الحليب وعمر بن الخطاب

قصة بائعة الحليب والخليف عمر بن الخطاب
في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لاحظ أمير المؤمنين انتشار الغش في أسواق المدينة، خاصة في بيع اللبن. فأصدر أمراً حازماً لحماية حقوق المسلمين، وأرسل منادياً يجوب الأسواق والطرقات ينادي: "ألا لا يخلطن أحد اللبن بالماء، فإن من غشنا فليس منا". وكان هذا النداء واضحاً يعرفه الجميع، ويحفظه التاجر قبل المشتري.
وكان من عادة عمر رضي الله عنه أنه لا يهنأ له بال حتى يتفقد أحوال رعيته بنفسه. فخرج ذات ليلة في جوف الليل كعادته يطوف في دروب المدينة، يستمع إلى همسات البيوت ويتحس حاجة المحتاج. وأثناء سيره استراح بجوار جدار منزل بسيط تسكنه امرأة وابنتها، فسمع من الداخل حواراً دار بينهما. قالت الأم لابنتها: "يا بنيتي، قومي فاخلطي اللبن بالماء، فإنه قليل، وإذا خلطناه بالماء تضاعف حجمه، فبعناه وربحنا مالاً وفيراً نغني به أنفسنا". فأجابت الفتاة بأدب المؤمنة الواثقة: "يا أماه، أما علمتِ ما كان من عزم أمير المؤمنين اليوم؟ لقد أمر منادياً فنادى في الأسواق ألا يخلط أحد اللبن بالماء". غضبت الأم وقالت لها: "يا بنيتي، وما يدري عمر بنا؟ اخلطيه، فإننا في مكان لا يرانا فيه أحد، ولن يعلم بأمرنا بشر".
هنا وقفت الفتاة وقفة من لا يخشى إلا الله، وردت على أمها بكلمات سطرها التاريخ: "يا أماه، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا. والله لمراقبة الله أحب إلي من مراقبة عمر". سكت عمر رضي الله عنه خلف الجدار وقد اهتز قلبه لهذا اليقين العظيم، ووضع علامة على باب الدار ليعرفها في الصباح.
فلما أصبح الصباح أرسل عمر رضي الله عنه أحد خدمه ليسأل عن أحوال المرأة وابنتها وليعرف إن كانت الفتاة متزوجة أم لا. فعاد الخادم وأخبره أنها بكر لم تتزوج بعد، وأن أمها امرأة ثكلى فقيرة تعيش من بيع اللبن. فجمع عمر أبناءه الثلاثة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعاصم، وقال لهم: "يا بني، هل منكم من يحتاج إلى زوجة صالحة فأزوجه إياها؟ إني سمعت الليلة كلام جارية ما سمعت كلاماً أبرك منه". فسكت عبد الله وعبد الرحمن، وتقدم عاصم بن عمر وقال: "يا أبتاه، أنا أحتاج إلى زوجة فزوجني بها". فخطبها لابنه عاصم، وزوجها له زواجاً مباركاً، وأولم وليمة حضرها المهاجرون والأنصار. وهكذا كافأ الله الأمانة بزوج صالح، والفقر بغنى، والخوف من الله بمكانة عالية.
ولم تقف بركة هذا الزواج عند حدود الدنيا، بل امتدت إلى الأجيال. فقد أنجبت هذه الفتاة الصالحة لعاصم بن عمر بن الخطاب ابنة اسمها ليلى بنت عاصم. وتزوجت ليلى من عبد العزيز بن مروان، فأنجبت الخليفة الزاهد العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي سمي "خامس الخلفاء الراشدين" لما ملأ الأرض عدلاً ورحمة وسار على نهج جده عمر بن الخطاب. فانظر كيف كانت كلمة "إن رب عمر يرانا" سبباً في أن يخرج من نسلها إمام عادل حكم الأمة بالتقوى.
وتعلمنا هذه القصه
أن مراقبة الله في السر والعلن هي ميزان المؤمن الحقيقي، وأن الأمانة وإن قلت فإن بركتها تعم الذرية إلى أجيال قادمة، وأن الفقر ليس مبررا للغش، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.