يوم القيامة ولحظات الحساب

حلة إلى أعظم الموقف.. مشاهد وأهوال يوم القيامة
في لحظة يفاجئ فيها الكون بنهاية حتمية، تسقط النجوم وتتكسر قوانين الطبيعة، ليقف البشر أجمعون أمام العدالة الإلهية المطلقة. إنه يوم القيامة؛ المحطة الكبرى التي تقف فيها الأنفاس، وتتلاشى فيها الأنساب، ولا يبقى سوى العمل الخالص والجزاء الأبدي.
مقالة شاملة عن يوم القيامة وأهواله ومحطاته الكبرى
يُعدّ الإيمان باليوم الآخر الركن الأصولي العظيم الذي تبنى عليه العقيدة الإسلامية، وهو اليوم الحتمي الذي ينتهي إليه عمر هذه الكون الفاني ليبدأ الجزاء الأبدي. وقد ورد ذكر هذا اليوم العظيم في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بمسميات وأوصاف متعددة تدل على جلاله وشدة أهواله، مثل: يوم القيامة، القارعة، الحاقة، الصاخة، ويوم التغابن.
Wikipedia+ 1
أولاً: أهوال البداية والنفخ في الصور
يبدأ هذا اليوم العظيم بانتهاء أمد الحياة الدنيا وقيام الساعة بغتة على شرار الخلق. ويأتي أمر الله بإسرافيل عليه السلام أن ينفخ في الصور النفخة الأولى وهي "نفخة الصعق"، فحينها يتغير وجه الكون بأسره؛ فتنشق السماء وتتفطر، وتكوّر الشمس ويذهب ضوؤها، وتتناثر النجوم، وتسير الجبال وتصبح هباءً منبثاً، وتشتعل البحار وتسجر، ويموت كل من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله. ثم يمر زمن قدره الله، يأتي بعدها النداء الإلهي الخالد لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيرد جل جلاله: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). ثم تأتي النفخة الثانية وهي "نفخة البعث والنشور"، فيخرج العباد من قبورهم وأجداثهم سراعاً إلى ربهم ينسلون، حفاة عراة غرلاً، لا تملك نفس لنفس شيئاً.
الإسلام سؤال وجواب+ 3
ثانياً: أرض المحشر والوقوف الطويل
يُحشر الخلائق إلى أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد. ويقوم الناس لرب العالمين في موقف شديد العسر والكرب، ويطول هذا الوقوف حتى يبلغ من الناس الجهد مالا يطيقون. وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق بمقدار ميل، فيغرق الناس في عرقهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. وفي هذا الموقف العصيب، يتبرأ المرء من أحب الناس إليه؛ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وحين اشتداد الكرب، يلجأ الناس إلى الأنبياء للشفاعة فيهم ليبدأ الفصل والحساب، حتى تنتهي الشفاعة الكبرى إلى سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم.
محمد صالح المنجد+ 5
ثالثاً: الحوض المورود
من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين في عرصات القيامة، وقبل بدء الحساب، أن يوردهم حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهو حوض عظيم مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بأن ماءه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطوع ريحاً من المسك، طوله شهر وعرضه شهر، آنيته كنجوم السماء في الكثرة والضياء، من يشرب منه شربة واحدة لا يظمأ بعدها أبداً. ويرده أتباع النبي الصادقون بينما يُطرد عنه المبدلون والمحرفون.

رابعاً: العرض والحساب وتطاير
تنصب العدالة المطلقة في محكمة الحساب الإلهية الكبرى، حيث لا يُظلم أحد مثقال ذرة. وتشرق الأرض بنور ربها، ويُوضع الكتاب، ويجيء النبيين والشهداء. وفي هذه اللحظات الفارقة تتطاير الصحف والدواوين؛ فآخذ كتابه بيمينه وهو سعيد مسرور، يقول: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهو شقي مقهور يقول: (يَا لَيْتني لَمْ أُوْتَ كِتَابِيَهْ). ويحاسب الله عباده، فيسأل العبد عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسابه وفيما أنفقه، وعما عمل فيما علم.
موقف النبي صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة وشفاعته العظمى
في ذلك اليوم العظيم الذي تبلغ فيه القلوب الحناجر وتدنو الشمس من الرؤوس، تقف البشرية جمعاء في أرض المحشر في كرب شديد وعرق يغشى الأبدان. حينها، يفر الناس بعضهم من بعض، ويبحث الجميع عن مخرج أو نجاة، فيلجأ الخلائق إلى أولي العزم من الرسل طلباً للشفاعة والفصل في القضاء.
يأتي الناس إلى آدم عليه السلام فيعتذر بخطيئته، ثم إلى نوح فيعتذر بسؤاله ما ليس له به علم، ثم إلى إراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام، وكلهم يقولون: "نفسي نفسي، اذهبو إلى غيري"، حتى يأتوا إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم مفتخراً بهذه المنزلة العظيمة بلا فخر: "أنا لها، أنا لها". فينطلق حتى يأتي تحت العرش، فيخر ساجداً لربه عز وجل، فيفتح الله عليه من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبله. ثم يُقال: "يا محمد، ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفَ تُشفع".
تلك هي الشفاعة العظمى التي يغبطه فيها الأولون والآخرون، حيث يبدأ الحساب وتوضع الموازين وتنزل الرحمة الإلهية بفضل النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي ما فتئ يحمل هم أمته حياً وفي أشد مواقف الآخرة هولاً.
خامساً: الميزان والصراط والمنتهى
بعد الحساب، يوضع الميزان الدقيق ذو اللسان والكفتان لوزن أعمال العباد، فثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، وخفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم. ثم يُضرب الصراط المستقيم على متن جهنم، وهو جسر أدق من الشعر وأحدّ من السيف، يمر عليه الناس على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كبرق الخارف، ومنهم كالريح، ومنهم كالسابح، ومنهم كالماشي، ومنهم من يُخدش ويُكردس في نار جهنم على وجهه.
الخاتمة
ينتهي المطاف بالناجين من أهل الصراط إلى قنطرة بين الجنة والنار يُقتص فيها للمظلوم من الظالم حتى إذا طهروا أذن لهم بدخول الجنة، فيفوز الأبرار بنعيمها المقيم، بينما يستقر أهل الكفر والعصيان في دركات الجحيم. وما الحياة الدنيا إلا مجال للتزود والعمل، فالسعيد من اتعظ واستعد لذلك اليوم العظيم.
ملتقى