قارون عندما يتحول المال إلى فتنة
قارون.. عندما يتحول المال إلى فتنة
تُعد قصة قارون من أعظم القصص التي ذكرها القرآن الكريم؛ لأنها تُبرز خطورة الاغترار بالمال والعلم، وتؤكد أن النعم لا تدوم إلا بالشكر. وكان قارون من قوم سيدنا موسى عليه السلام، وتشير أقوال عدد من المفسرين إلى أنه كان من أقربائه، وقيل إنه كان ابن عمه أو ابن خالته. كما عُرف بعلمه الواسع بالتوراة، حتى عُدَّ من علماء بني إسرائيل، لكن علمه لم يمنعه من الوقوع في الكبر والطغيان.
أنعم الله على قارون بثروة عظيمة لم يُؤتَ مثلها كثير من الناس، حتى وصف القرآن كنوزه بقوله: ﴿إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾، أي إن مفاتيح خزائنه كانت ثقيلة إلى درجة أن جماعة من الرجال الأقوياء كانوا يعجزون عن حملها. وقد ذكر بعض أهل العلم أن كثرة هذه الكنوز كانت مضربًا للأمثال في زمانه.
لكن هذه النعمة تحولت إلى سبب للغرور، فبغى قارون على قومه، ولم يحدد القرآن نوع هذا البغي، ليشمل كل صور الظلم والتكبر والفساد. فقيل إنه ظلم الناس، وقيل إنه تكبر عليهم بماله، وقيل إنه نسب الفضل إلى نفسه، وقيل إنه حسد سيدنا موسى عليه السلام وتكبر على قومه، وكلها صور تدل على فساد القلب حين يغفل عن شكر المنعم.
ولم يتركه الصالحون من قومه دون نصيحة، فقالوا له: ﴿لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾، أي لا تفرح فرح المتكبرين المغترين بالدنيا. ثم نصحوه أن يجعل ماله وسيلة لطلب رضا الله، فقالوا: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾، أي استمتع بما أحل الله لك من غير إسراف، واجعل نصيبًا من مالك في الصدقة والإحسان، وأحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك، ولا تسع في الأرض فسادًا.
إلا أن قارون رد عليهم بكلمة كشفت حقيقة ما في قلبه، فقال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾، فنسب الفضل إلى علمه وجهده، ونسي أن الله هو الذي وهبه المال والعلم والقدرة.
وهذا من أخطر أسباب الهلاك؛ لأن الإنسان إذا ظن أن النعمة من نفسه، وقع في الكبر وجحود فضل الله.
ثم خرج قارون على قومه في كامل زينته، فأعجب به بعض الناس، وتمنوا أن يكون لهم مثل ما أوتي من مال وزينة. أما أهل العلم والإيمان فقالوا لهم إن ثواب الله خير وأبقى للمؤمنين، وإن متاع الدنيا زائل مهما بدا عظيمًا.
وأخيرًا جاء العقاب الإلهي، فخسف الله بقارون وبداره الأرض، فلم ينفعه ماله ولا سلطانه، ولم يجد من ينصره. عندها أدرك الناس أن الرزق بيد الله وحده، وأن الغنى الحقيقي هو طاعة الله وشكر نعمه، وأن الكبر والغرور مهما بلغا فإن نهايتهما الخسران.
المراجع:![]()
1. القرآن الكريم، سورة القصص، الآيات (76–82).
2. تفسير ابن كثير.
3. الجامع لأحكام القرآن.
4. التحرير والتنوير.
5. التفسير الوسيط للقرآن الكريم.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق