**يوسف عليه السلام: من ظلمات البئر إلى عزّ التمكين**

**يوسف عليه السلام: من ظلمات البئر إلى عزّ التمكين**

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

من رؤيا الطفولة إلى ظلمات البئر

بدأت قصة يوسف عليه السلام برؤيا عظيمة أخبر بها أباه يعقوب عليه السلام، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. أدرك يعقوب عليه السلام أن لهذه الرؤيا شأنًا، فنصح ابنه ألا يقصها على إخوته حتى لا يدفعهم الحسد إلى أمر يؤذيه.

اشتد الحسد في قلوب إخوة يوسف، واتفقوا على إبعاده عن أبيه. فأخذوه معهم وألقوه في غيابة الجب، ثم عادوا إلى أبيهم بقميص يوسف وعليه دم كذب، محاولين إقناعه بأن الذئب قد أكله. لكن يعقوب عليه السلام لم يصدقهم، واستعان بالصبر، وقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].

وفي البئر، بدأت مرحلة جديدة من حياة يوسف. كان بعيدًا عن أبيه وأسرته، ولا يعرف ماذا سيحدث له، لكن الله سبحانه لم يتركه. مرت قافلة بالقرب منه، فأرسلوا من يستقي الماء، فوجد يوسف وأخرجوه، ثم بيع في مصر بثمن قليل. وانتقل من بيت أبيه إلى بلد جديد لا يعرف فيه أحدًا، لكن الله كان يدبر له أمرًا عظيمًا لم يكن يراه في تلك اللحظة.

وتُظهر هذه المرحلة معنى مهمًا من معاني الصبر؛ فقد يكون الإنسان في موقف يظن أنه نهاية الطريق، بينما يكون هذا الموقف نفسه بداية لمرحلة جديدة كتب الله فيها خيرًا كثيرًا. ولم يكن يوسف يعلم أن البئر الذي أُلقي فيه سيكون خطوة في طريق التمكين الذي سيصل إليه بعد سنوات.

الابتلاء والصبر والعفة

نشأ يوسف في بيت العزيز، وآتاه الله من الحكمة والعلم ما جعله مميزًا. ثم تعرض لابتلاء شديد عندما حاولت امرأة العزيز أن تغويه، لكنه اختار طاعة الله والابتعاد عن المعصية، وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23].

ورغم ظهور براءته، انتهى به الأمر إلى السجن. وقد كان هذا الابتلاء شديدًا، لكنه لم يمنعه من فعل الخير أو الدعوة إلى الله. ففي السجن، تحدث مع صاحبيه عن التوحيد، وفسر لهما رؤياهما، وأثبت أن الإنسان يستطيع أن يحافظ على مبادئه حتى في أصعب الظروف.

ثم جاءت الفرصة التي أظهر الله فيها علم يوسف. رأى ملك مصر رؤيا لم يستطع من حوله تفسيرها، فتذكر أحد السجناء يوسف، وذهب إليه ليسأله عن معناها. ففسر يوسف الرؤيا، وأوضح أن البلاد ستشهد سنوات من الرخاء يعقبها سنوات شديدة، وقدم تدبيرًا حكيمًا لحفظ الطعام والاستعداد لسنوات القحط.

وبعد ذلك، ظهرت براءة يوسف من التهمة، وأصبح في مكانة رفيعة، وأسند إليه الملك مسؤولية خزائن الأرض. وهكذا انتقل يوسف من السجن إلى التمكين، دون أن يكون قد جعل هدفه الوصول إلى المكانة، وإنما ظهر فضله وأمانته وعلمه.

وتعلمنا هذه المرحلة أن الابتلاء لا يعني أن الله قد ترك عبده، فقد يكون الإنسان في ضيق شديد بينما تتجه حياته نحو فرج لا يتوقعه. كما أن العفة والصبر على الطاعة قد يكونان سببًا في رفعة الإنسان، حتى لو لم تظهر ثمارهما في البداية.

التمكين والعفو الجميل

جاء إخوة يوسف إلى مصر في سنوات القحط طلبًا للطعام، ودخلوا عليه دون أن يعرفوه. وبعد أحداث متعددة، كشف لهم يوسف عن نفسه وقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي﴾ [يوسف: 90].

كانت لحظة عظيمة؛ فالإخوة الذين ألقوه في البئر أصبحوا الآن أمامه وهو صاحب مكانة وقدرة، وكان يستطيع أن يعاقبهم على ما فعلوه به، لكنه اختار العفو والإحسان. فقال لهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92].

وهنا تظهر عظمة العفو في قصة يوسف؛ فالقوة لم تغير أخلاقه، والتمكين لم يجعله متكبرًا، بل قابل الإساءة بالإحسان. وهذه من أجمل الدروس التي يمكن أن يتعلمها الإنسان: أن امتلاك القدرة على الرد لا يعني أن الانتقام هو الاختيار الأفضل دائمًا.

ثم عاد أبوه يعقوب وأهله، واجتمع يوسف بأسرته بعد سنوات طويلة من الفراق، وتحققت الرؤيا التي بدأت بها القصة. وهكذا انتهت رحلة طويلة من الابتلاء بالصبر، ومن الفراق باللقاء، ومن الضعف بالتمكين.

إن قصة يوسف عليه السلام ليست مجرد قصة عن الألم والفراق، بل هي قصة عن الصبر والثقة بالله والعفة والعفو. فقد مر يوسف بالبئر، والبيع، والغربة، والفتنة، والسجن، لكنه لم يفقد ثقته بربه. وفي النهاية تحولت المحن التي بدت مؤلمة إلى طريق للتمكين وتحقيق الخير.

وتعلمنا القصة أن الإنسان قد لا يفهم الحكمة من الأحداث في وقتها، لكن عليه أن يحسن الظن بالله، ويتمسك بالحق، ويصبر على الابتلاء. كما تعلمنا أن القوة الحقيقية تظهر عندما يستطيع الإنسان أن ينتقم ثم يختار العفو، وأن تأخر الفرج لا يعني غيابه.

ومن أجمل ما تبقى من قصة يوسف أن تدبير الله لا يتوقف عند اللحظة التي يعيشها الإنسان. فقد يرى العبد بابًا مغلقًا، بينما يكون الله قد فتح له أبوابًا أخرى لا يزال لا يراها. لذلك تبقى قصة يوسف عليه السلام رسالة أمل لكل من يمر بظرف صعب: اصبر، وتمسك بالحق، وثق بأن الله يعلم ما لا تعلمه أنت.

المراجع:

القرآن الكريم، سورة يوسف.

تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تفسير سورة يوسف.

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن السعدي، تفسير سورة يوسف.


image about **يوسف عليه السلام: من ظلمات البئر إلى عزّ التمكين**

 

 

 

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Perry تقييم 5 من 5.
المقالات

6

متابعهم

6

متابعهم

1

مقالات مشابة
-