قصة وعبرة: جزاء الإحسان وصنائع المعروف التي تقي مصارع السوء
قصة وعبرة: جزاء الإحسان وصنائع المعروف التي تقي مصارع السوء
في زمن مضى، كان هناك رجل صالح يدعى عبد الله، يعيش في بلدة صغيرة نائية تحيط بها البساتين الخضراء. كان عبد الله معروفاً بين أهل بلدته بأمانته الشديدة، وحسن خلقه، وحبه العميق للخير ومساعدة الجميع. ورغم أنه كان رجلاً بسيط الحال، يعمل كسباً لقوته من كد يده، ولم يكن يملك من حطام الدنيا وثرواتها إلا القليل، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد بارك له في هذا الرزق اليسير. والسر في هذه البركة أنه كان لا يرد سائلاً يقف بابه، ولا يفوّت فرصة سانحة لتقديم يد العون والمساعدة لكل محتاج أو ملهوف يمر بضائقة.
وفي أحد الأيام العصيبة، تُوفي جار طيب لعبد الله بعد صراع طويل مع المرض، وترك خلفه زوجة أرملة مكسورة الجناح وثلاثة أطفال يتامى في عمر الزهور، ولم يكن لهذه الأسرة الصغيرة المفجوعة أي معيل يحميها، أو مصدر رزق ثابت يوفر لها لقمة العيش الكريمة. شعر عبد الله بمسؤولية أخلاقية وإنسانية كبيرة تجاه جيرانه الراحلين، وتذكر في تلك اللحظة قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا" وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً.
منذ ذلك اليوم، اتخذ عبد الله قراراً حاسماً بأن يكفل هذه العائلة بكل ما أوتي من قوة وجهد، فكان يأخذ ما يجنيه من عمله اليومي ويقسم قوته وقوت عياله بالتساوي، ثم يرسل نصفه بكل سر وأدب إلى بيت الأرملة الحزينة وأيتامها الصغار لتلبية احتياجاتهم الأساسية. واستمر عبد الله على هذا الحال الإنساني النبيل لسنوات طويلة متعاقبة، دون أن يشتكي يوماً من ثقل الحمل، أو يشعر بالضيق والتبرم من قلة ذات اليد، بل كان على العكس تماماً يرى أثر بركة هذا الصنيع العظيم يتجلى بوضوح في صحة أولاده وصلاح حالهم، والتوفيق الذي يرافقه في كل خطوة.
ولكن الأيام دول، ولا تصفو الحياة لأحد؛ فقد دارت الدوائر وأُصيب هذا الرجل الصالح بمرض شديد مفاجئ، أقعده تماماً عن العمل والحركة لأسابيع طويلة. ومع مرور الوقت، نفد كل ما كان يملكه من مال قليل مدخر، وضاق به الحال ضيقاً شديداً لم يعهده من قبل، حتى عجز كلياً عن توفير طعام يومه لأولاده وللأيتام الذين تعهد بكفالتهم ورعايتهم. في تلك الليلة المظلمة الباردة، جلس عبد الله الحزين وحيداً يناجي ربه بقلب منكسر وعينين تفيضان بالدموع، وكان يبكي بحرقة خوفاً على الأطفال الصغار من ألم الجوع، داعياً الله أن يفتح له أبواب فرجه الواسعة.
وفي الصباح الباكر مع بزوغ أول خيوط الشمس، انشق السكون بطرقات خفيفة على بابه، وعندما فتح وجد رجلاً غريباً ذو هيبة يرتدي ثياباً حسنة تظهر عليها ملامح السفر. سلم الغريب عليه بأدب وقال: "هل أنت عبد الله الرجل الصالح؟" تعجب عبد الله من معرفة الغريب به وقال: "نعم، أنا هو يا أخي". عندئذٍ، أخرج الغريب صرة قماشية كبيرة ثقيلة الوزن مليئة بالدنانير الذهبية البراقة ووضعها في يده قائلاً: "هذا المال بعث به لك تاجر ثري كبير من المدينة المجاورة، لقد توفي هذا التاجر بالأمس، وقبل موته أوصى بأن يذهب ثلث ثروته لأكثر رجل يصنع المعروف ويغاث الملهوف في هذه البلدة، وعندما سألنا أهل البلدة أجمعوا كلهم دون تردد عليك وعلى كفالتك المستمرة لليتامى".
خر عبد الله ساجداً لله تبارك وتعالى، وبكى بكاءً شديداً شكراً وحمداً، وعلم يقيناً أن الله شكور حليم لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ولم تقف حدود بركة الصدقة هنا، بل إن الأطباء الحاذقين في المدينة الذين سمعوا بقصته المؤثرة تبرعوا بعلاجه والإشراف على حالته مجاناً دون مقابل، حتى منّ الله عليه بالشفاء التام، وعاد بكامل صحته وعافيته لعمله وسعيه، وظل وفياً لعهده في كفالة الأيتام حتى كبروا واشتد عودهم، وأصبحوا رجالاً صالحين وناجحين في المجتمع، يحيطون به ويعينونه في كبره ويردون له جميل الإحسان بإحسان أعظم.
العبرة المستفادة من القصة:
إن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة وكفالة اليتيم لا تنقص المال بل تزيد فيه وتبسط الرزق من حيث لا يحتسب الإنسان. ما تقدمه لغيرك في الرخاء، يدخره الله لك في وقت الشدة الخانقة، فصانع الخير لا يقع، وإن وقع وجد متكأً.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق