البئر الذي بدأ منه الطريق
غيرة بدأت من حلم
لم يكن يوسف عليه السلام يعرف أن حلمًا رآه في صغره سيصبح يومًا جزءًا من قصة طويلة تتغير فيها حياته مرات عديدة.
رأى في المنام أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له، فقص رؤياه على أبيه يعقوب عليه السلام. أدرك الأب أن لهذه الرؤيا شأنًا، فنصحه ألا يقصها على إخوته، خوفًا من أن تدفعهم الغيرة إلى أمر يؤذيه.
لكن الغيرة كانت قد وجدت طريقها بالفعل إلى قلوب بعض إخوته.
كانوا يرون محبة أبيهم ليوسف، فاشتد شعورهم تجاهه، وبدأت فكرة التخلص منه تكبر بينهم.
في ظلمة البئر
خرج يوسف مع إخوته، ثم انتهى به الأمر في بئر مظلم.
كان طفلًا بعيدًا عن أبيه، محاطًا بإخوته الذين كانوا سببًا في هذه المحنة.
في تلك اللحظة، لم يكن أحد يستطيع أن يتخيل كيف يمكن أن تنتهي القصة.
ثم عثرت عليه قافلة، فأخرجته من البئر، وانتقل من مكان إلى آخر حتى وصل إلى مصر، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته.
لم يكن يعرف أن هذا الطريق، بكل ما يحمله من ألم وغموض، سيقوده في النهاية إلى مكان لم يكن يتوقعه.
من المحنة إلى محنة أخرى
لم تنتهِ الصعوبات بخروجه من البئر.
دخل يوسف عليه السلام بيت العزيز، ونشأ فيه، ثم تعرض لابتلاء آخر انتهى بدخوله السجن رغم براءته.
وهنا تبدو القصة مختلفة عن الحكايات التي تنتهي سريعًا بعد تجاوز الأزمة؛ فكلما ظن يوسف أن المحنة وصلت إلى نهايتها، ظهرت أمامه مرحلة جديدة.
ومع ذلك، ظل ثابتًا على إيمانه، ولم تجعل الظروف التي مر بها منه إنسانًا ناقمًا.
حين تغيّر كل شيء
في السجن، لم يتوقف يوسف عن مساعدة الآخرين. فسّر رؤى اثنين من السجناء، ثم جاءت اللحظة التي احتاج فيها الملك إلى تفسير رؤيا حيّرت من حوله.
تذكر أحد السجناء يوسف، فخرج اسمه من جدران السجن إلى قصر الملك.
فسّر يوسف الرؤيا، وقدم معها تصورًا للتعامل مع سنوات القحط القادمة.
وهكذا خرج من السجن لا كمتهم، وإنما كشخص أثبتت حكمته وأمانته قيمته.
اللقاء الذي أعاد الماضي
مرت السنوات، وجاء إخوة يوسف إلى مصر بحثًا عن الطعام بسبب القحط.
لم يعرفوا يوسف في البداية.
أما هو فعرفهم.
كان يستطيع أن ينتقم منهم، وأن يجعلهم يدفعون ثمن السنوات التي قضاها بعيدًا عن أبيه.
لكن القصة اتخذت اتجاهًا آخر.
عندما كشف لهم عن نفسه، لم يجعل لحظة اللقاء ساحة للانتقام، بل اختار العفو، وقال لهم:
«لا تثريب عليكم اليوم».
وهكذا عاد الإخوة الذين ألقوه في البئر إلى الرجل الذي أصبح له شأن في مصر، ولم يكن أعظم ما وصل إليه يوسف هو المكانة، وإنما قدرته على العفو عندما أصبح قادرًا على الانتقام.
ما الذي تخبرنا به قصة يوسف؟
قصة يوسف عليه السلام لا تتحدث عن محنة واحدة، وإنما عن طريق طويل تتغير فيه الظروف دون أن تتغير مبادئ الإنسان.
البئر لم يكن نهاية يوسف، والسجن لم يكن نهايته، والسنوات التي قضاها بعيدًا عن أبيه لم تكن نهاية قصته.
بل إن كل مرحلة كانت تقوده، دون أن يعرف، إلى المرحلة التي تليها.
ولهذا تبقى قصة يوسف من أكثر القصص التي تذكّر الإنسان بأن الصورة التي يراها في لحظة الألم ليست بالضرورة الصورة الكاملة لنهاية الطريق؛ فقد يبدأ فصل مؤلم جدًا من مكان يبدو مظلمًا، بينما يحمل في داخله بداية لشيء لم يكن الإنسان قادرًا على رؤيته بعد.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق