السبحة الذهبية*
---
كان يوسف طالباً في السنة الثانية بكلية الهندسة، يعيش في شقة صغيرة بمدينة السويس مع زملائه. كان شاباً مجتهداً، لكن ضغوط الدراسة والامتحانات جعلته دائم التوتر والقلق، لا ينام إلا قليلاً.
في أحد أيام الشتاء، زار قريته في صعيد مصر ليقضي إجازة قصيرة مع جده. كان جده رجلاً تجاوز الثمانين، وجهه منير بالذكر، لا تفارق يده سبحة ذهبية قديمة، يسبح بها ليلاً ونهاراً.
لاحظ الجد تعب حفيده، فقال له مبتسماً: “مالك يا بني؟ شايل هم الدنيا كلها فوق كتافك ليه؟”
تنهد يوسف وقال: “الكلية صعبة يا جدي، والمواد كثيرة، وخايف أسقط، وخايف ما ألاقيش شغل بعد التخرج. حاسس إني تايه.”
ضحك الجد وأخرج سبحته الذهبية من جيبه، وضعها في كف يوسف. كانت دافئة من كثرة التسبيح. قال له: “يا ولدي، هذه السبحة معي منذ خمسين سنة. لم تكن مجرد حبات، كانت هي دوائي. كلما ضاق صدري، ذكرت الله. كلما حزنت، استغفرت. كلما خفت، قلت لا حول ولا قوة إلا بالله. جربها.”

أخذ يوسف السبحة على سبيل المجاملة، لكنه وضعها في حقيبته.
عاد إلى السويس، وفي ليلة من ليالي الامتحانات، كان القلق يأكله. فتح كتابه فلم يفهم شيئاً. نظر بجانبه فوجد السبحة الذهبية تلمع تحت ضوء المصباح. أمسكها وبدأ يقول: "سبحان الله، سبحان الله..." بدون تركيز في البداية.
لكنه شيئاً فشيئاً، بدأ قلبه يهدأ. تنفسه انتظم. نام تلك الليلة نوماً عميقاً لم ينمه منذ شهور.
منذ ذلك اليوم، أصبحت السبحة لا تفارقه. وهو يذاكر

يسبح، وهو يمشي في الشارع يسبح، وهو ينتظر الأتوبيس يسبح. لاحظ زملاؤه تغيره، أصبح أكثر هدوءاً وتركيزاً، حتى درجاته بدأت تتحسن بشكل ملحوظ.
لكن الاختبار الحقيقي جاء بعد شهرين. تشاجر يوسف مع صديق عمره أحمد بسبب سوء تفاهم بسيط حول درجات مشروع. قال كل منهما كلاماً جارحاً وقاطعا بعضهما.
حزن يوسف حزناً شديداً. أمسك سبحته وخرج يمشي على كورنيش السويس عند الفجر. كان ينظر إلى المراكب الشراعية في النيل والشمس تشرق، ويردد: “اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق.”

تذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال". فشعر بالخجل. قرر أن يكون هو من يبدأ بالصلح.
ذهب إلى أحمد في سكنه، ومعه السبحة الذهبية. طرق الباب، فتح أحمد وهو متفاجئ. قال يوسف: “أنا آسف يا أحمد، حقك عليا. جاي أقولك إنك أخويا، والشيطان دخل بيننا. ودي هدية مني.”
وأعطاه السبحة الذهبية. دمعت عينا أحمد واحتضنه بقوة. قال: “أنت اللي حقك عليا يا يوسف، أنا اللي غلطت.”
تصالحا، ومنذ ذلك اليوم أصبحت صداقتهما أقوى من قبل.
عندما جاءت إجازة نهاية العام، عاد يوسف إلى قريته، وقص على جده ما حدث. ابتسم الجد وقال: “يا بني، أنت فهمت السر. السبحة ليست هي التي تغير، الذكر هو الذي يغير القلب. والقلب إذا تغير، تغيرت الدنيا كلها من حوله.”

ثم أضاف: “خليك مع الله، يخليك كل شيء حلو. اذكره في الرخاء يذكرك في الشدة.”
رجع يوسف وهو يحمل معه درساً لن ينساه: أن الراحة ليست في كثرة المال أو النجاح، بل في قلب مطمئن بذكر الله. وأصبح يخبر كل من يقابله بقصته، ويقول لهم دائماً جملته التي أصبحت عنوان حياته: “خليك مع الله.”
وهكذا، تحولت السبحة الذهبية من مجرد حبات في يد جد عجوز، إلى نور يضيء طريق شاب في مقتبل حياته، وإلى صدقة جارية يتناقلها الأجيال.
*العبرة:* بذكر الله تطمئن القلوب، وما خاب من جعل الله أنيسه.
please login to be able to comment