قصة الملك الصالح ذي القرنين: رحلات التمكين والعدل وبناء السد العظيم

قصة الملك الصالح ذي القرنين: رحلات التمكين والعدل وبناء السد العظيم

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

قصة ذو القرنين 

​تُعتبر قصة الملك الصالح "ذو القرنين" المذكورة في سورة الكهف نموذجاً فريداً ومشرقاً للحاكم المؤمن الذي منحه الله العزة والتمكين في الأرض، فاستغل سلطانه وقوته العسكرية والعلمية في نشر العدل، وإغاثة الملهوفين، وإقامة حكم الله، دون أن يطغى أو يستكبر أو ينسب الفضل لنفسه.

​آتى الله تعالى ذا القرنين من كل شيء سبباً، فسهّل له أسباب العلم، والقيادة، والجيوش، والعمارة. فبدأ رحلاته الفاتحة في الأرض طالباً لنشر التوحيد وإرساء القسط. توجه أولاً نحو المغرب، حتى وصل إلى أقصى مكان معمور في جهة الغرب عند ساحل المحيط، فرأى الشمس تغرب في عين حامية (أي عين ذات ماء وحمأة سوداء أو في أفق البحر). وهناك وجد قوماً كفاراً، فخيّره الله في معاملتهم، فاختار ذو القرنين نهج العدل الإلهي؛ حيث يعاقب الظالم المعتدي، ويكرم المؤمن الصالح وييسر له من أمره يسراً.

​ثم اتجه ذو القرنين بجيشه وجنوده نحو مطلع الشمس في الشرق، حتى وصل إلى قوم لم يجعل الله لهم من دون الشمس ستراً، أي في أرض مكشوفة لا شجر فيها ولا أبنية تقيهم حرارة الشمس. فتعامل معهم بالحكمة والعدل ودعاهم إلى الإيمان بالله ورعايتهم دون ظلم أو جور، مكملاً مسيرته التمكينية في إصلاح الأرض.

​ولعل أعظم محطات سيرة ذي القرنين هي رحلته الثالثة التي اتجه فيها بين السدين (وهما جبلان عظيمان متقابلان). وجد ذو القرنين هناك قوماً لا يكادون يفقهون قولاً لغرابة لغتهم وانعزالهم عن العالم. وكان هؤلاء القوم يعانون الأمرين من فساد قوم "يأجوج ومأجوج"، وهم أمّة عاتية شائكة تعيث في الأرض فساداً وتدميراً. ولما لمس القوم قوة ذي القرنين وعدله، عرضوا عليه أموالاً ومكافأة جزيئة ليجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً يمنع شرهم.

​وهنا تجلت عظمة أخلاق الملك الصالح؛ حيث رفض أخذ الأموال والأجر قائلاً بيقين وتواضع: "مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ"، مفضلاً الاستعانة بقوتهم البشرية وجهدهم العملي لبناء الردم. استخدم ذو القرنين مهارة هندسية وفائقة في البناء؛ فأمرهم بجمع زبر الحديد (قطع الحديد الضخمة) ووضعها بين الجبلين حتى ساواههما بالقمة. ثم أمرهم بإضرام النار على الحديد حتى أحموه وصار ناراً تلتهب، ثم صبّ عليه القِطْر (المطاط أو النحاس المذاب) ليلتحم الحديد بالنحاس وتتحول السلسلة إلى سد ملس متين لا يستطيع يأجوج ومأجوج ظهوره أو نقبه.

​وعندما اكتمل هذا الإنجاز الهندسي العظيم، لم يغتر ذو القرنين بقوته، بل رد الفضل لأهله قائلاً: "هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي"، مشيراً إلى أن هذا السد سيظل قائماً بقدرة الله حتى يأتي وعد الله في آخر الزمان فيدكه دكاً. تترك قصة ذي القرنين درساً خالداً بأن السلطان والمال والتمكين إنما هي أمانة ونعم يجب سداد شكرها لنصرة المستضعفين وإشاعة العدل في الأرض.image about قصة الملك الصالح ذي القرنين: رحلات التمكين والعدل وبناء السد العظيم

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
AHMED EZZAT تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-