قدر على النار ودموع في الظلام: القصة التي هزت فاروق الأمة عمر بن الخطاب

قدر على النار ودموع في الظلام: القصة التي هزت فاروق الأمة عمر بن الخطاب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، تجلت أسمى معاني العدالة الإنسانية والمسؤولية الإيمانية. 

كان أمير المؤمنين يعيش مشاعر رعيته ويستشعر ثقل الأمانة التي طوقت عنقه، فلم يكن يكتفي بتقارير الولاة، بل كان يخرج بنفسه في العتمة يتفقد أحوال الناس في ظلمات الليل فيما يُعرف بـ "العسس"، يرافقه خادمه أمين أسراره أسلم، ليرعيا شؤون المسلمين ويطمئنا على الفقراء والمستضعفين الذين لا صوت لهم.

نارٌ في العتمة وبكاء أطفال:

بينما كان عمر يطوف في أطراف صحراء المدينة المنورة في ليلة شديدة البرودة، أبصر من بعيد ناراً تتوهج وسط الفلاء الخالي. التفت الخليفة إلى خادمه أسلم وقال بنبرة ملؤها الشفقة: "يا أسلم، إني لأرى ههنا ركباً قصر بهم الليل والبرد، انطلق بنا إليهم."

هرول الاثنان نحو مصدر الضوء، وكلما اقتربا كانت تتضح معالم المشهد المؤلم؛ امرأة جليلة تجلس حول قدر يغلي على النار، وحولها أطفال صغار يتعصرون ألماً وينوحون من شدة الجوع.

سالمها عمر بن الخطاب بحديث المتخفي وقال: "السلام عليكم يا أصحاب الضوء." ردت المرأة السلام بصوت يكسوه التعب وهي لا تعلم أن السائل هو حاكم الدولة الإسلامية بأكملها: "وعليكم السلام." سألها عمر برفق وعين الراعي الرحيم: "ما بال هؤلاء الأطفال يبكون ويصرخون؟" أجابت المرأة بقلب يملؤه الحزن والأسى: "يبكون من الجوع يا عبد الله، لم يذوقوا طعاماً منذ أيام." فنحى عمر بصره نحو القدر الغالي على النار وسألها: "وما الذي في هذا القدر حتى ينضج؟"

هنا نالت منه الكلمة التي هزت وجدان الفاروق وزلزلت أركانه، إذ قالت المرأة: "ماءٌ وحصى أسكتهم به حتى يناموا ويظنون أني أطبخ لهم طعاماً، والله بيننا وبين عمر!"

دموع الفاروق وهول المسؤولية:

انتفض عمر بن الخطاب من هول تلك الكلمات، واقشعر بدنه لشعوره بالتقصير أمام الله عز وجل، وقال لها بنبرة يملؤها الألم والكسرة وهو يحاول إخفاء شخصيته: "يرحمك الله، وما يدري عمر بكم وهو في قصره؟" فأجابت المرأة بثبات وحسرة تركت أثراً عميقاً في التاريخ: "يتولى أمرنا ويصبح أميراً علينا ثم يغفل عنا ولا يعلم بحالنا?!"

لم يستطع عمر بن الخطاب تحمل سماع المزيد، فدمعت عيناه وسالت دموعه على لحيته الشريفة. التفت إلى خادمه أسلم وقال بصوت خافت يعتصره الندم: "انطلق بنا سريعاً!"

خرج يركض في سواد الليل حتى وصل إلى بيت مال المسلمين بالمدينة. فتح الأبواب وحمل بنفسه جراباً كبيراً من الطحين، وشحماً، ووعاءً مملوءاً بالزيت. فلما رأى خادمه أسلم ثقل الحمل على ظهر الخليفة، أسرع يرجوه ليساعده وقال: "يا أمير المؤمنين، أنا أحمله عنك، دعني أرفعه!"

التفت إليه عمر والدموع تترقرق في عينيه وأطلق كلمته الخالدة التي أصبحت دستوراً للحكام والأمناء إلى يوم القيامة: "أأنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أبا لك؟! إن سُئلت عن هؤلاء غداً، فمن يحمل عني عقاب الله؟"

الفرج والدرس الخالد:

 

image about قدر على النار ودموع في الظلام: القصة التي هزت فاروق الأمة عمر بن الخطاب

حمل الخليفة الجراب الثقيل على ظهره ومشى حافياً ومهرولاً في طريق العودة حتى وصل إلى المرأة وأطفالها. وضع الطحين والزيت على الأرض، وشمر عن ساعديه، وجلس بنفسه على الركبتين ينفخ تحت القدر والدخان يتصاعد من بين لحيته الكثيفة حتى اشتعلت النار ونضج الطعام للصبية الجياع.

لم يكتفِ عمر بالطهي، بل غرف الطعام بيده الشريفة وأخذ يطعم الأطفال صغاراً صغاراً، ويلاطفهم حتى شبعوا وابتسموا بعد بكاء طويل. قامت المرأة وهي تنظر إليه بامتنان ودعت له بحرارة قائلة: "جزاك الله خيراً، والله إنك لأحق بهذا الأمر والصلح من أمير المؤمنين عمر!" فابتسم عمر بتواضع وقال لها: "قولي خيراً يا أمة الله، إذا جئتِ إلى أمير المؤمنين غداً فستجدينني هناك إن شاء الله وسآمر لكِ بنفقة تكفيكِ وتغنيكِ."

تنحى عمر بعيداً ورابض خلف صخرة قريبة يراقب الأطفال وهم يلعبون ويضحكون في أمان، التفت إلى أسلم وقال بصوت يملؤه الارتياح: "يا أسلم، لم يغمض لي جفن والجوع يسهرهم ويبكيهم، فما أحببت أن أرجع حتى أرى ما رأيت من ضحكهم وشبعهم."

الدروس والعبر المستفادة:

تترك هذه القصة الخالدة في نفوسنا وفي تاريخ البشرية أثراً عميقاً وعظات جليلة:

عظمة الأمانة ورعاية الرعية: القيادة والمسؤولية في الإسلام ليست جاهاً أو سلطاناً، بل هي عبء وتكليف يُسأل عنه الإنسان أمام الله عن الصغير والكبير.

الرحمة العملية والتواضع: لم يرسل عمر خادماً أو وزيراً، بل باشر خدمة الضعفاء بنفسه وطهى لهم الطعام بيده دون كبرياء.

الخوف من الظلم والتقصير: استحضار الوقوف بين يدي الله تعالى في القيامة هو الوازع الحقيقي الذي يحمي الحاكم والمؤمن من الغفلة عن حقوق عباد الله.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
kareem shoaib تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

7

متابعهم

6

مقالات مشابة
-