لتوكل وحسن الظن: حين يصنع اليقين المعجزات
المقالة الدينية: قيمة التوكل على الله وحسن الظن به في حياتنا
إنّ الحياة الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، يقلّب الله فيها العباد بين السرّاء والضرّاء، والرخاء والشدة، لتظهر معادن الإيمان، وتتجلى حقيقة العبودية لله رب العالمين. وفي زحمة هذه الحياة وتراكم المشاغل والأزمات، يجد الإنسان نفسه بحاجة ماسة إلى ركن وثيق يلتجئ إليه، وقلب مطمئن يستند إلى قدرة الله ورحمته. وهنا تتجلى أهمية عبادة القلب الكبرى: التوكل على الله وحسن الظن به.
التوكل ليس مجرد كلمة تنطق بها الألسن، ولا هو قعود واستسلام للظروف تحت مسمى القضاء والقدر. إن التوكل الحقيقي هو عمل قلبي يجمع بين الصدق في الاعتماد على الله عز وجل، والأخذ بالأسباب المشروعة التي سخرها الله في هذا الكون. إن من أخذ بالأسباب واعتمد عليها وحدها فقد أشرك، ومن أهمل الأسباب ودعا التوكل فقد جهل وضل؛ فالجمع بينهما هو منهج الأنبياء والصالحين.
عندما يستشعر المؤمن أن أموره كلها بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، تنزل على قلبه السكينة والطمأنينة. فلا يجزع عند الملمات، ولا ييأس عند انقطاع الأسباب الدنيوية. إن حسن الظن بالله هو المفتاح الذي يفتح أبواب الأمل حتى في أشد الأوقات ظلمة؛ فهو اليقين بأن بعد العسر يسراً، وأن فرج الله قريب مهما عظمت الخطوب وتفاقمت المشكلات.
لقد علمنا الإسلام أن قوة المؤمن تنبع من صلته بربه، وأن الاستعانة بالله تمنح الروح طاقة لا تنضب لمواجهة تحديات الحياة. وحين يعمر الإيمان القلب، يتحول الخوف إلى أمن، والضعف إلى قوة، والشتات إلى ثبات. إن العبد الصادق يعلم أن الخير فيما اختاره الله، وأن الله أرحم بعباده من الأم ولدها، ولهذا يرضى بقضائه ويستبشر بفضله وإحسانه.
القصة الحقيقية: يقين أم موسى وفرج الله
تتجلى صور التوكل وحسن الظن بالله في أبهى صورها عبر التاريخ البشري، ولعل من أعظم القصص الحقيقية التي خلدها القرآن الكريم لتكون درساً ممتداً لكل زمان ومكان، هي قصة أم نبي الله موسى عليه السلام.
كان فرعون مصر يستحيي نساء بني إسرائيل ويذبح أبناءهم الذكور، خوفاً من زوال ملكه على يد طفل منهم كما تنبأ الكهان. وفي تلك الظروف العصيبة والخوف الخانق، ولدت أم موسى طفلها الصغير. كانت تتألم وتخشى عليه من بطش جنود فرعون في كل لحظة.
وهنا جاء الأمر الإلهي والوحي الوجداني لأم موسى بفعل يقف العقل البشري أمامه مذهولاً: أن تضع طفلها الرضيع في تابوت خشبي، ثم تقذفه في مياه نهر النيل المتدفقة! قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
بموازين البشر، إن إلقاء طفل رضيع في النهر يعني هلاكه المحتوم. ولكن بموازين الإيمان والتوكل، فإن حفظ الله وأمره يغير القوانين والأسباب. ألقته في النهر بقلب يعتصم بحبل الله، وحسن ظن لا يتزعزع بوعده.
ولم تكتفِ أم موسى بالدعاء والتسليم فقط، بل أخذت بالأسباب المتاحة؛ فأرسلت أخته لتقص أثره وتتفقده عن بعد دون أن يشعر بها أحد. وتجلت القدرة الإلهية في أبهى صورها عندما ساق الموج التابوت ليس إلى مكان آمن فحسب، بل إلى قصر فرعون نفسه!
ألقى الله محبة موسى في قلب امرأة فرعون، فرفضت قتله. ثم حرّم الله عليه المراضع حتى يعود إلى أحضان أمه التي وقفت على وعد الله، فجاءت أخته ودلتهم على أهل بيت يكفلونه. وعاد موسى إلى أمه لتقر عينها ولا تحزن، وليتحقق وعد الله الحق.
تعلّمنا هذه القصة أن الأسباب الدنيوية مهما بدت مغلقة ومستحيلة، فإن التوكل الصادق وحسن الظن بالله يصنعان الفرج من حيث لا يحتسب الإنسان.