قصة كعب بن مالك
حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت _ قصة كعب بن مالك
تخلّف سيدنا كعب عن الغزوة
كان كعب رضي الله عنه من أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يكن من عادته أن يتخلف عن الغزوات. وكان قادرًا على الخروج، ولم يكن لديه عذر يمنعه، لكنه وقع في التسويف ، و عندما خرج الرسول إلى الغزوة ، يقول كعب : أمشي في شوارع المدينة فلا أحد إلا منافق مغموس في نفاقه أو رجل معذور قد عذره الله أو امرأة أو طفل ،
فخافت نفسه و حضره الهم ، لا يعلم ما سيقول لرسول الله
ختيار سيدنا كعب للصدق وسيلة أمام النبي
عاد النبي ﷺ إلى المدينة بعد الغزوة ، وبدأ يسأل عن الذين تخلفوا ، فتتابع المنافقون يختلقون الأعذار، فيقبل الرسول و يستغفر لهم الله
دخل كعب على رسول الله ﷺ وهو يشعر بثقل ما فعل،
لم يدّعِ مرضًا، ولم يخترع عذرًا، وإنما اعترف بأنه لم يكن له عذر حقيقي، وأن الذي منعه هو التأخير والتسويف.
فأمره النبي أن ينتظر حتى يقضي الله في أمره قائلا :
أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله في أمرك
خمسون ليلة من أشد أيام حياته
قاطعه الرسول و كذلك أُمر المسلمون بمقاطعته هو و صاحبيه اللذين تخلفا عن الغزوة، فمرت الأيام ثقيلة ، خمسون ليلة ضاقت عليه المدينة على رحابتها، وأصبح يشعر بوحدة لم يألفها من قبل. يمر بين الناس فلا يجد منهم من يكلّمه، ويذهب إلى الصلاة في المسجد فلا يلقى من يرد عليه السلام فشعر أن مدينته التي يألفها أضحت عليه غريبة حتى صار قلبه معلّقًا بانتظار الفرج.
ابتلاء آخر
ثم جاءه ابتلاء آخر؛ فقد أُرسل إليه رسول من ملك الروم برسالة تدعوه إلى اللحاق به، بعدما علم بما حدث له، وكأن بابًا جديدًا من الفتنة قد فُتح أمامه. لكنه أدرك أن هذه الرسالة ليست نجاة، بل ابتلاء آخر، فتخلص منها.
توبة الله على كعب
وبعد الضيق جاء الفرج
بلغت الأيام خمسين ليلة، وكان كعب في حالة شديدة من الضيق، حتى نزل قول الله تعالى:
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118]. فذهب الناس لسيدنا كعب يبشروه بتوبة الله عليه :
يا كعب أبشر لقد تاب الله عليك
وعندما سمعه سيدنا كعب، خر ساجدًا لله.
ثم مضى إلى رسول الله ﷺ، فوجد وجهه يبرق من السرور، فقال له النبي ﷺ:
أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك.
فقال كعب :
يا رسول الله أمن عندك أم من عند الله
فقال الرسول :
بل من عند الله

وهكذا انتهت خمسون ليلة من أشد أيام كعب رضي الله عنه، لا بكذبة قالها، ولا بعذر اختلقه، وإنما بالصدق الذي اختاره ، ثم بالصبر حتى جاء فرج الله.