بداية الخلق : قصة ادم عليه السلام
ادم عليه السلام

بداية الخلق
أخبر الله تعالى ملائكته على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته، كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه. "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم،تساءلت الملائكة بدهشة وبصيرة : “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ”
جاءهم الرد الإلهي القاطع الحاسم: "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".
لحظة الخلق الأولى
جُمِعَت قبضة من تراب الأرض؛ فيها الأبيض والأسود والأحمر - ومن هنا تنوعت ألوان البشر وطباعهم. مُزِج التراب بالماء، فصار طيناً وحمأً مسنوناً، وسُوِّيَ الجسد. كان إبليس يمر به ويتعجب: أي شيء سَيغدو هذا الطين؟
ثم جاءت اللحظة المَهيبة.. نُفِخت فيه الروح! تدفقت الحياة في الجسد، عطس آدم، فقال: "الحمد لله"، فرد عليه ربه: "يرحمك الله يا آدم".
أمر الله الملائكة بالسجود لآدم سجود تكريم وتعظيم. خرّت الملائكة كلها ساجدة امتثالاً.. إلا إبليس! كَبُرَ في نفسه وقاسها بفضول فاسد:فوبّخ الله سبحانه وتعالى إبليس: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ}.
فردّ بمنطق يملأه الحسد: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} ولكنه طلب المهلَة حتى يوم البعث، وأقسم بعزة الله ليُغوينّ بني آدم جميعاً، إلا عباد الله المخلصين.{قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)}.. (سورة ص).
سرّ الخلافة
لكن، ما الذي جعل آدم مؤهلاً لخلافة الأرض دون الملائكة؟ إنه العلم. عَلَّم الله آدم الأسماء كلها، وعرض الأشياء على الملائكة فعجزوا عن تسميتها، وأقرّوا: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا". ولما أنبأهم آدم بأسماء الأشياء، أدرك الملائكة سر هذا المخلوق وفضله.
أحس آدم بالوحده فخلق الله له من ضلعه زوجته "حواء" ليسكن إليها. وأسكنهما الله الجنة، وأباح لهما كل خيراتها إلا شجرة واحدة!
الشجرة.. وتجربة الأرض الأولى
هنا بدأ إبليس معركته؛ تسلل بالوسوسة يوماً بعد يوم: "هل أدلكما على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى؟". ضعف عزم آدم، وغلبه الفضول الإنساني، فمد يده مع حواء وأكلا من الشجرة.
في تلك اللحظة، انكشفت لهما سوآتهما، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لسترهما. لم تكن حواء هي السبب وحدها كما تزعم بعض الكتب القديمة، بل كان خطأً مشتركاً أعلن القرآن فيه مسؤولية آدم
لم يكن الهبوط إلى الأرض عقوبة إهانة، بل هبوط قدر وتكليف. فالجنة كانت مضمار تدريب عملي لآدم وذريته، ليعرفوا أن الشيطان عدو مبين، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله.
هبوط ادم وحواء الي الارض
هبط آدم وحواء إلى الأرض، ونزل معهما جبريل عليه السلام ليُعلّم آدم الحرث، والزراعة، وصنعة الحديد، وكيف يوقد النار.
ثم كانت الفاجعة الأولى في تاريخ البشرية؛ حين وقعت أول جريمة قتل في الأرض كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. ويقال أن قابيل كان يريد زوجة هابيل لنفسه.. فأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل واحد منهما قربانا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل. حينها حسد قابيل أخاه هابيل على قَبُول قربانه
قال تعالى في سورة (المائدة): {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }
انتهى الحوار بينهما وانصرف قابيل وترك هابيل مؤقتا. بعد أيام.. كان هابيل نائما وسط غابة مشجرة.. فقام إليه أخوه قابيل فقتله. جلس القاتل أمام شقيقه الملقى على الأرض لا يعرف كيف يواريه حتى أرسل الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يدفن أخاه.
ثم رأى قابيل الغراب الحي يضع الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى جواره وبدأ يحفر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر وعاد يهيل عليه التراب.. بعدها طار
قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
، حزن آدم حزناً شديداً، وصبر، وعاش نبياً مكلماً يعظ أبناءه ويحذرهم من كيد إبليس، حتى إنه أُمِر ببناء القواعد من البيت الحرام (الكعبة) وتطويف الذرية بها.
وفاة أبي البشر
ولما حضرت آدم الوفاة، اشتهى من ثمار الجنة، فخرج أبناؤه يطلبونها، فاستقبلتهم الملائكة بأكفانٍ وحنوط من الجنة. قبضت الملائكة روح آدم، وغسلوه، وكفنوه، وحفروا له اللحد، وصلوا عليه ودفنوه، ثم قالوا لبنيه: "يا بني آدم، هذه سُنّتكم في موتكم". وقد مات يوم الجمعة عليه السلام.
مات آدم بعد رحلة ملهمة تعلمنا أن الإنسان يخطئ بالضعف والفضول، ولكنه يعود بالتوبة والاستغفار، وأن معركتنا مع إبليس مستمرة حتى نعود إلى دارنا الأولى.. الجنة.