ضاعت المروءة والوفاء؟ القصة العجيبة التي هزت مجلس عمر بن الخطاب وعفا فيها الأولياء عن القاتل

ضاعت المروءة والوفاء؟ القصة العجيبة التي هزت مجلس عمر بن الخطاب وعفا فيها الأولياء عن القاتل

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وبينما كان يجلس بين أصحابه في المسجد النبوي بالمدينة المنورة يتدبرون أمور المسلمين، دخل عليهم شابّان يتأبطان رجلاً من أهل البادية، يبدو على ملامحه الذهول والأسى. وقف الشابان أمام أمير المؤمنين وقالا بصوت ينبض بالحزن والحرقة: "يا أمير المؤمنين، هذا الرجل قتل أبانا، ونريد منك أن تقيم عليه الحد وتأخذ لنا بحقنا منه!"

 

المواجهة والاعتراف الصريح:

التفت عمر بن الخطاب إلى الرجل المسن وسأله بهيبة وعدالة: "أقتلت أباهم؟"

لم يهرب الرجل، ولم يلجأ إلى الكذب أو التملص، بل هز رأسه وقال بصدق وشجاعة: "نعم يا أمير المؤمنين، لقد قتلته."

سأله عمر: "كيف وقع ذلك؟"

أجاب الرجل البدوي ونبرته تعصرها الندامة: "دخلتُ بستانهم وإبلي تتبعني، فرعت إحدى النياق من شجرة في بستانهم، فخرج الشيخ غاضباً وأخذ حجراً فضرب به الناقة على رأسها فقتلها. فلما رأيتُ ناقتي تخر صريعة أمام عيني، لم أتمالك نفسي من الغضب، فأخذتُ نفس الحجر وضربته به على رأسه فخرّ ميتاً، فكان ما كان."

قال له عمر بن الخطاب بثبات وحزم لا يداري الحق: "إذن لا بد من القصاص، فالقتل خطأ كان أم عمداً يُوجب حكم الله."

شرط الأمانة ورجاء الساعات الأخيرة:

اطمأن الشابان لحكم العدل، لكن الرجل البدوي تنفس الصعداء ثم التفت إلى أمير المؤمنين ودعاه برفق: "يا أمير المؤمنين، أسألك بأمر الله أن تمهلني ثلاثة أيام فقط، فقد مات أبي وترك لي ولأخي الصغير مالاً وكنزاً دفنه في الصحراء، ولا يعلم مكانه غيري. فإن قتلتني الآن ضاع مال الصبي ويُحاسبني الله عليه يوم القيامة. أمهلني ثلاثة أيام لأودع أخي وأرشده إلى المال، ثم أعود إليك لتنفذ فيّ القصاص."

صمت عمر بن الخطاب طويلاً، فالحكم ينبغي تنفيذه، والقانون لا يحمي أحداً دون ضامن. التفت عمر إلى الصحابة وسأل: "من يكفل هذا الرجل حتى يعود بعد ثلاثة أيام؟"

ساد الصمت أرجاء المسجد، فالرجل غريب لا يعرفه أحد، والتهمة هي القتل والجزاء هو الموت، فمن ذا الذي يضع عنقه تحت السيف من أجل غريب لم يره من قبل؟

الكفالة الشجاعة والوفاء بالعهد:

image about ضاعت المروءة والوفاء؟ القصة العجيبة التي هزت مجلس عمر بن الخطاب وعفا فيها الأولياء عن القاتل

وسط هذا الصمت الرهيب، قام الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه-، ونظر إلى الرجل البدوي البسيط، ثم التفت إلى الفاروق وقال بصوت ثابت: "أنا أكفله يا أمير المؤمنين!"

تعجب عمر وسأله: "يا أبا ذر، أتكفله وأنت لا تعرفه؟ إن لم يرجع قمنا بتنفيذ القصاص فيك أنت!" رد أبو ذر بيقين ومروءة: "نعم يا أمير المؤمنين، لقد رأيت فيه سيماء الصدق، ولم أرد أن يُقال ضاعت المروءة بين المسلمين."

انقضى اليوم الأول، ثم الثاني، وأقبل اليوم الثالث. تجمع الناس في المسجد، وحضر الشابان يطالبان بحقهما، بينما كان القلق يخيم على الجميع خوفاً على حياة أبي ذر. غربت الشمس واقترب وقت تنفيذ القصاص، والناس ينظرون إلى الأفق علّهم يلمحون الغريب.

وفجأة، من بين غبار الصحراء، ظهر الرجل يركض وهو يلهث من شدة التعب والتنفس الكثيف، والرقص يُنهك جسده، حتى سقط بين يدي عمر وهو يقول: "لقد سلمتُ المال لأخي وأصلحتُ أمره، وها أنا ذا جئتُ لتنفذ فيّ حكم الله!"

تلاشي الدماء وسمو الأخلاق:

ذهل الجميع من وفاء الرجل وإخلاصه بعهده رغم علمه بأنه يسير إلى موته بنفسه. سأله عمر مشدوهاً: "ما الذي حملك على العودة بعد أن نجوت بنفسك وبإمكانك الهرب؟" أجاب الرجل بثبات إيماني: "خشيتُ أن يُقال ضاع الوفاء بالعهود بين الناس!"

هنا التفت عمر إلى أبي ذر وسأله: "وما الذي جعلك تكفله وأنت لا تعرفه؟" أجاب أبو ذر: "خشيتُ أن يُقال ضاعت المروءة والنخوة بين المسلمين!"

تأثر الشابان صاحبا الحق بهذا المشهد الإيماني المهيب الذي تجسدت فيه المروءة والوفاء والصدق. فاضت أعينهما بالدموع، والتفتا إلى عمر وقالا بصوت واحد: "يا أمير المؤمنين، لقد عفونا عنه ولوجه الله تعالى!"

سألهما عمر مستغرباً ومتأثراً: "لماذا عفوتما عنه وهو قاتل أباكما؟" قالا خشوعاً ورحمة: "خشينَا أن يُقال ضاع العفو والتسامح بين المسلمين!"

كبر المسلمون في المسجد تكبيراً هز أركان المكان، وانتهت الخصومة بتحول الدماء إلى رحمة، والعداوة إلى إخاء.

دروس وعبر من القصة:

الوفاء بالعهد: الصدق والوفاء بالوعود من أرفع صفات المؤمن حتى في أصعب الأوقات وتحت ظروف الموت.

المروءة والشهامة: مبادرة الصحابة لكفالة المحتاج والغريب ترسي قيم التكافل والأخوة الإيمانية.

فضيلة العفو عند المقدرة: العفو والتسامح يطفئان نار الفتنة ويغيران مجرى حياة الأفراد والمجتمعات.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
kareem shoaib تقييم 5 من 5.
المقالات

6

متابعهم

11

متابعهم

10

مقالات مشابة
-