نماذج مشرقة جسَّدت معاني الحب والوفاء في الإسلام
مقدمه
نحن الآن بصدد عرض نماذج مشرقة جسَّدت معاني الحب والوفاء في الإسلام، الحب والوفاء هما من أسمى القيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام، وقد جسّدها واقعًا حيًّا في مواقف عظيمة وسِيَر خالدة. ومن أروع هذه النماذج قصة أبي العاص بن الربيع، زوج السيدة زينب بنت رسول الله ﷺ، الذي قدّم مثالًا نادرًا في الصدق والوفاء، حتى في أشدّ لحظات الاختلاف والعسر.
فبين مكة والمدينة، وبين الشرك والإيمان، وبين الفراق والانتظار، ظلّ الوفاء حاضرًا في قلب أبي العاص، كما ظلّ الحب ثابتًا في موقف السيدة زينب رضي الله عنها. وتبقى قصتهما شاهدًا خالدًا على أن القيم النبيلة لا تزول بتغيّر الظروف، وأن الإسلام يكرّم المشاعر الصادقة ويُعلي من شأن الأخلاق الرفيعة.
نَسَب أبي العاص بن الربيع ومكانته
أبو العاص بن الربيع رجلٌ قرشيٌّ من قبيلة قريش فقد كان شابًا موفور الشباب بهي الرونق فقد كانت من صفاته الأنفة والكبرياء والمروءة و الوفاء، وقد كان يعتز بتراث الآباء والأجداد، وهو قريب للسيدة خديجة رضي الله عنها هو ابن هالة بنت خويلد أخت السيدة خديجة. عُرف بين قومه بالصدق والأمانة وحسن الخلق، فكان محل ثقة أهل مكة في تجارتهم. وقد منحته هذه الصفات مكانة محترمة بينهم، حتى قبل إسلامه.
زواج أبي العاص من السيدة زينب رضي الله عنها
كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تنزله من نفسها منزله الولد من أمه وقد كان النبي ﷺ يحبه أيضًا، كبرت السيدة زينب بنت رسول الله ﷺ وقد كان أبناء سادة قريش تتمنى أن تتزوج بها ولكن كيف وقد حال دونهم ابن خالتها، تزوّج أبو العاص بن الربيع من السيدة زينب بنت رسول الله ﷺ قبل بعثة النبي، وكان زواجًا قائمًا على المحبة والاحترام. وقد أحبّت السيدة زينب زوجها وأخلصت له، كما كان أبو العاص وفيًّا لها، فشكّل زواجهما مثالًا صادقًا للحب والوفاء، ثم بعد عدة سنوات قد أشرقت مكه بنور الإسلام وقد أسلمت السيدة خديجة رضي الله عنها و بناته زينب ورقيه وأم كلثوم وفاطمه، وظل بينهم صافي الحب والوفاء رغم ما واجهاه لاحقًا من اختلاف في الدين والظروف.

موقف أبي العاص من الدعوة الإسلامية
عندما بدأ النبي ﷺ دعوته إلى الإسلام، آمنت السيدة زينب رضي الله عنها، بينما بقي أبو العاص على دين قومه فقد كره أن يفارق دين أبائه و أجداده. ولما اشتد النزاع بين رسول الله ﷺ و قريش قال بعضهم ردو إلى محمد بناته لعله ينشغل بهم ولما عرضوا الأمر على أبو العاص رفض وقال لا والله لا أفارق صاحبتي وهي أحب إلي من نساء الأرض جميعًا، ومع ذلك، لم يمنع الاختلاف في الدين أبا العاص من احترام النبي ﷺ وتقديره، فكان صادقًا في تعامله ولم يُسئ إلى زوجته أو إلى الإسلام.
الفراق بين مكة والمدينة
بعد هجرة المسلمين إلى المدينة، وقد اشتد الأمر وخرجت قريش لقتال المسلمين في بدر اضطر أبو العاص للخروج معهم إذ لم يكن له رغبة في قتال المسلمين، وانتهت بدر بهزيمة قريش وقد كان أبو العاص من زمرة الأسرى، وقد فرض النبي ﷺ فدية لتحرير الأسرى، بعثت السيدة زينب فدية أبو العاص ووضعت قلادة أمها السيدة خديجة رضي الله عنها، وعندما رأي رسول الله ﷺ القلادة غشيت وجهه غلالة شفافة من الحزن العميق ورق لابنته ثم ردو إلى السيدة زينب مالها واطلقوا سراح أبو العاص، لكن النبي ﷺ اشترط عليه أن يطلق السيدة زينب ويردها إلى أبيها، فُرض الفراق بين أبي العاص وزوجته السيدة زينب رضي الله عنها بسبب اختلاف الدين. كان هذا الفراق اختبارًا صعبًا، لكنه أظهر قوة الحب والوفاء بينهما، إذ صبرت زينب، وبقي أبو العاص محافظًا على عهده لها.
أمانة أبي العاص وصدقه
اشتهر أبو العاص بالأمانة والصدق في تجارته، فكان أهل مكة يثقون به ويضعون أموالهم عنده. وقد ظل محافظًا على هذه الأخلاق، مما يدل على أن القيم النبيلة كانت راسخة في شخصيته، بعد مدة فراقه للسيده زينب خرج إلى الشام في تجاره وهو عائد إلى مكة، وكان معه مائة بعير و مائه وسبعين رجلًا برزت عليه سرية من سرايا رسول الله ﷺ فأخذت البعير وأسرت الرجال ولكن أبو العاص استطاع الهروب، وكان أول من فكر في اللجوء إليه هي السيدة زينب فذهب إليها عندما أرخى الليل سدوله وحكى لها ما حصل، لما خرج رسول الله ﷺ إلى صلاة الفجر وعندما كبر تكبيره الإحرام وصل إلى مسامعه قول السيدة زينب وهي تنادي في الناس وتقول "أنا زينب بنت محمد وقد أجرت أبو العاص فأجيروه. فلما سلم النبي ﷺ التفت إلى الناس قال هل سمعتم ما سمعت، قالوا نعم سمعنا يا رسول الله، قال والذي نفسي بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتموه، ثم انصرف الى بيته وقال لابنته أكرمي مثوا أبي العاص وعلمي انك لا تحلين له، ثم ردوا إليه ما أُخذ منه.
إسلام أبي العاص وعودة الحياة الزوجية
عاد أبو العاص إلى مكة ولكن كانت تلك العوده مختلفه، عندما وصل إلى مكه ردّ الأمانات إلى أهلها، وعندما أطمئن أنه قد رد كل شيء إلى الناس نطق الشهادة وقال إني خفت أن أسلم عند محمد في المدينة إلا خوفي أن تظنوا أني أردت أن أكل عليكم أموالكم ثم أعلن إسلامه عن قناعة صادقة. وبعد إسلامه، عاد إلى المدينة، فاجتمع من جديد بزوجته السيدة زينب رضي الله عنها، لتكتمل قصة الحب والوفاء في ظل الإسلام.
الخاتمة
تعلّمنا قصة أبي العاص بن الربيع أن الصدق والأمانة من أعظم الأخلاق، وأن الحب الحقيقي يقوم على الوفاء والصبر. كما تُظهر القصة سماحة الإسلام واحترامه للمشاعر الإنسانية.