عكرمة بن ابي جهل قائد كتيبة الموت
تعد قصة عكرمة بن أبي جهل واحدة من أعظم التحولات في التاريخ الإسلامي، حيث تحول من عدو لدود أُهدر دمه إلى بطل مغوار وقائد لكتيبة الموت. نشأ عكرمة في بيت امتلأ بالعداء المطلق للإسلام، فهو ابن الرجل الذي وصفه العرب بـ "فرعون هذه الأمة"، وقد تربى في بيئة شبت على السيف والشرك قبل أن تعرف معنى الرحمة.
.jpg)
سنوات العداء والصد عن سبيل الله
بدأ صراع عكرمة مع الإسلام مبكراً، حيث انطلق مع والده في غزوة بدر وهو يحمل حقداً دفيناً ورغبة في اجتثاث الدين الجديد. في تلك الغزوة، رأى والده يُقتل على يد غلامين صغيرين، ثم شاهد عبد الله بن مسعود وهو يجهز عليه ويحتز رأسه بسيفه. حاول عكرمة جاهداً استنقاذ جثة والده لكنه فشل، ورماها الصحابة في قليب بدر، مما أشعل في قلبه نار الثأر التي قادته لسنوات طويلة.
في غزوة أحد، تولى عكرمة قيادة الميسرة، وكانت زوجته أم حكيم تشارك في تحريض المشركين وتهيل التراب في وجوه المتقهقرين. أما في غزوة الخندق، فقد أظهر عكرمة شجاعة نادرة حين قام بمخاطرة وُصفت بالجنون؛ إذ اطلق فرسه ليقفز فوق خندق يزيد عرضه عن أربعة أمتار، ليجد نفسه وحيداً أمام جيش المسلمين بعد أن ترك خلفه آلاف المقاتلين. ومع ذلك، فر عكرمة بعد مقتل صنديد مكة عمرو بن عبد ود على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
نقطة التحول ورحلة الهداية
عند فتح مكة، أصدر النبي ﷺ أمراً بحقن الدماء إلا نفراً قليلاً أُهدر دمهم، وكان عكرمة منهم. فر عكرمة هارباً باتجاه اليمن أو البحر، بينما ذهبت زوجته أم حكيم إلى النبي ﷺ وأعلنت إسلامها وطلبت له الأمان، فآمنه النبي ﷺ وأعطاها علامة (عمامة أو عصا) ليعرف بها. انطلقت أم حكيم في رحلة شاقة في الصحراء لإنقاذ زوجها، وواجهت في طريقها محاولة اعتداء من غلامها الرومي لكنها نجت بذكائها وإيمانها.
وجدت أم حكيم زوجها على ساحل البحر وهو يهم بركوب السفينة. في تلك اللحظة، كان صاحب السفينة يطلب من الركاب إخلاص التوحيد لله لأن آلهتهم لا تنجي في البحر، وهنا بدأ النور يدخل قلب عكرمة حين أدرك أن الإله الذي لا ينجي في البحر لن ينجي في البر. عادت به أم حكيم إلى المدينة، وفي الطريق أظهرت قوة إيمانها حين امتنعت عنه لأنها مؤمنة وهو لا يزال مشركاً، قائلة له بوضوح: "أنت مشرك وأنا مؤمنة".
اللقاء التاريخي وإعلان الإسلام
عند وصوله للمدينة، هيأ النبي ﷺ الصحابة لاستقباله وأمرهم ألا يسبوا أباه لأن ذلك يؤذي الأحياء ولا يضر الأموات. وحين رآه النبي ﷺ، وثب إليه ترحيباً وقال جملته الشهيرة: "مرحباً بالراكب المهاجر". سأل عكرمة النبي ﷺ عما يدعو إليه، فأجابه بالتوحيد والصلاة والزكاة، فقال عكرمة: "ما دعوت إلا إلى حق وإلى أمر حسن جميل"، ثم أعلن إسلامه وطلب من النبي ﷺ أن يستغفر له عن كل عداوة أو مقام قاله ضده. وفي تلك اللحظة، قطع عكرمة عهداً على نفسه بأن ينفق في سبيل الله ضعف ما أنفقه في الصد عنه، وأن يقاتل في سبيل الله ضعف ما قاتل ضده.
البطولة والاستشهاد في اليرموك
بعد وفاة النبي ﷺ، برَّ عكرمة بقسمه، فشارك في حروب الردة في عمان واليمن تحت قيادة أبي بكر الصديق. وفي معركة اليرموك العظيمة، تجلت قمة تضحيته؛ فبينما كان الروم يموجون بجيش يتجاوز 200 ألف مقاتل، خلع عكرمة درعه وكسر جفن سيفه ونادى في المسلمين: "من يبايعني على الموت؟". فبايعه 400 من الصحابة، فيما عُرف بـ "كتيبة الموت"، وانطلقوا كالأسود في قلب جيش الروم.
سقط عكرمة جريحاً وقد أصيب بأكثر من سبعين جرحاً، ووضع بجانب ابن عمه الحارث بن هشام. وعندما جيء له بماء بارد، آثر ابن عمه على نفسه وأشار أن يُسقى الحارث أولاً، وتكرر الإيثار بين سبعة من الجرحى حتى ماتوا جميعاً قبل أن يشربوا. بكى خالد بن الوليد عند موته ودعا له قائلاً: "اللهم اسقِ عكرمة من أنهار الجنة"، لتنطوي صفحة رجل بدأ حياته عدواً للإسلام وختمها بطلاً شهيداً سطر أروع مشاهد الإيثار في التاريخ.