مولد الرسول ونشأته
إن ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل كان بمثابة فجر جديد أضاء الكون، وبداية لتحول جذري في تاريخ البشرية جمعاء، حيث تبددت ظلمات الجاهلية وحلّ نور الهداية والرحمة.
نسبه الشريف ومولد اليتيم


ولد الهدى في مكة المكرمة في شعب بني هاشم، يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول في "عام الفيل" (وهو العام الذي حاول فيه أبرهة الأشرم هدم الكعبة فأهلكه الله).
ولد النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً؛ إذ توفي والده "عبد الله بن عبد المطلب" وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، فتكفّله جده عبد المطلب الذي فرح به فرحاً شديداً وسماه "محمداً" ليكون محموداً في الأرض وفي السماء.
إرهاصات وعلامات صاحبت المولد
تروي كتب السيرة النبوية الشريفة أن ميلاد الرسول رافقته علامات وإرهاصات عجيبة إيذاناً بزوال عهود الظلم والشرك، ومن أبرز هذه العلامات:
خروج نور ممتد: رأت أمه "آمنة بنت وهب" حين وضعته نوراً أضاءت له قصور الشام.
اهتزاز إيوان كسرى: تصدع إيوان كسرى (ملك الفرس) وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته.
خمود نار فارس: انطفأت نار مجوس فارس التي كانت تُعبد من دون الله ولم تخمد قبل ذلك بألف عام.
جفاف بحيرة ساوة: غاضت مياه بحيرة ساوة الشهيرة في تلك الليلة.
طفولته ونشأته في البادية
كان من عادة أشراف قريش أن يرسلوا أولادهم إلى البادية ليتعلموا فصاحة اللسان، وتشتد سواعدهم، ويسلموا من أمراض الحواضر. وقد حظيت بنيل هذه الشرف السيدة "حليمة السعدية" من قبيلة بني سعد.
بمجرد دخول النبي الصغير إلى ديار بني سعد، حلت البركة في بيت حليمة؛ فدرّت الشياه باللبن بعد جفاف، واخضرت الأرض القاحلة، وعرف أهل بيتها رغد العيش ببركة وجوده بينهم. أمضى هناك قرابة أربع سنوات، وقعت خلالها حادثة "شق الصدر" الشهيرة، حيث طهّر الملكان قلبه الشريف من أي حظ للشيطان.
العودة إلى مكة وتوالي الأحزان
عاد النبي إلى حضن أمه آمنة، ولكنها توفيت وهو في السادسة من عمره في طريق عودتها من المدينة، ليذوق مرارة يتم الأم بعد يتم الأب. انتقلت كفالته إلى جده العطوف عبد المطلب، ولم يلبث أن توفي الجد والنبي في الثامنة من عمره، لتنتقل الرعاية إلى عمه "أبي طالب" الذي أحبه وضمه إلى أولاده وحماه طوال حياته.
أخلاقه الشريفة في شبابه
لم تكن البركة والتميز مرافقين للنبي صلى الله عليه وسلم في طفولته فحسب، بل ظهرا جلياً في شبابه قبل نزول الوحي عليه. فلم يسجد لِصنم قط، ولم يشرب الخمر، وترفّع عن كل عادات الجاهلية السيئة.
اشتغل النبي في بداية شبابه برعي الغنم لأهل مكة، وهي الحرفة التي علّمته الصبر والرحمة والقيادة، ثم انتقل بعد ذلك إلى التجارة. ونظراً لأمانته الشديدة وحسن خلقه، لُقِّب بين أهل مكة بـ "الصادق الأمين"، وهو ما دفع السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لتستأمنه على تجارتها وتطلب الزواج منه لما رأت من بركته وأمانته.
خاتمة: نشأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتيم الأب والأم والجد، ليتولى الله سبحانه وتعالى تربيته وصنعته على عينه، فكان كما قال عن نفسه: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، ليصبح ذلك اليتيم المكي هادياً للبشرية ورسولاً للسلام والرحمة للعالمين.