وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.. قبسات من قلب النبي الأرحم ﷺ

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.. قبسات من قلب النبي الأرحم ﷺ
في عالمٍ كان يتخبط في دياجير الجهل والقسوة، حيث القوي يأكل الضعيف، والقلوب كالحجارة أو أشد قسوة، أشرق نورٌ من مكة ليغير مجرى التاريخ الإنساني بأسره. لم يأتِ هذا النور بسيفٍ قاطع ولا بجيشٍ جرار في بدايته، بل جاء بقلبٍ يتسع للكون وما فيه، قلب محمد بن عبد الله ﷺ. لقد لخص القرآن الكريم الغاية العظمى من بعثته في آية واحدة تهتز لها القلوب: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. لم يقل الله تعالى رحمة للمسلمين فحسب، بل "للعالمين"، في إعلان إلهي واضح بأن هذا النبي هو غيث السماء للأرض الجدباء.
إن الحديث عن رحمة النبي ﷺ ليس مجرد سرد لتاريخ مضى وانقضى، بل هو تلمس لبلسم شافٍ تحتاجه أرواحنا المنهكة في عصرنا الحالي. ولعل أعظم صور هذه الرحمة تتجلى في تعامله مع من عادوه وآذوه. فلنقف إجلالاً أمام موقف الطائف؛ حينما ذهب إليهم يبحث عن مأوى لدعوته، فقابلوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. وفي لحظة الألم والانكسار البشري، يأتيه ملك الجبال يعرض عليه إطباق الأخشبين (جبلين) عليهم لتهلكهم وتقبرهم، فيأتي الرد النبوي الذي أسس لمدرسة العفو الإنساني: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا". لم يغضب لنفسه، ولم تغلبه رغبة الانتقام، بل شملهم برحمته رغم قسوتهم المطلقة.
وتتجلى ذروة السمو الإنساني في يوم فتح مكة. عشرون عاماً من التنكيل، والتشريد، والقتل، والحروب، والآن هو يقف منتصراً، وقريش تقف أمامه مطأطئة الرؤوس تنتظر حكمه. وبكلمة واحدة كان يمكنه أن يمحوهم من الوجود، لكنه قال الكلمة التي لا تزال أصداؤها تتردد في جنبات الزمان: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". إنها رحمة القوي المقتدر، رحمةٌ أذابت جليد الأحقاد وحولت الأعداء الألداء إلى فدائيين يحملون رسالته بأرواحهم.
ولم تقتصر رحمته ﷺ على المواقف الكبرى والمعارك، بل كانت تتنفس في تفاصيل حياته اليومية. كان رحيماً بالضعفاء والأطفال. كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم ويمسح على رؤوسهم. وكان يطيل السجود إذا ارتحله (ركب على ظهره) حفيده الحسن أو الحسين، كراهية أن يعجله حتى يقضي نهمته، مراعياً طفولته رغم جلال الموقف في الصلاة التي هي لقاء مع رب العالمين. أما خدمه، فيقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: هلا صنعته؟". فأي قلب هذا الذي لا يعرف الغضب في تفاصيل المعيشة اليومية على مدار عقد كامل؟
وحتى الحيوانات والطيور التي لا تنطق، وجدت في كنفه ملاذاً آمناً وحقوقاً محفوظة قبل أن تعرف البشرية جمعيات حقوق الحيوان بقرون. فقد دخل يوماً بستاناً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ حنّ الجمل وذرفت عيناه، فمسح النبي ذفراه فسكن، وقال لصاحبه معاتباً بشدة: "أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه (تعبه)". وعندما رأى طائرًا يرفرف بجناحيه جزعاً بعد أن أخذ بعض الصحابة فراخها، قال غاضباً لحقها: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها".
إن رحمة النبي ﷺ هي دستور حياة، ونهج إنساني متكامل. لقد علمنا أن الرحمة ليست ضعفاً كما يظن البعض، بل هي قمة القوة والسيطرة على النفس. في زمننا المليء بالصراعات والقسوة، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذا القلب الرحيم، لننثر بذور العفو، والرفق، والتسامح في مجتمعاتنا. فبمقدار ما نحمل في قلوبنا من رحمة، بمقدار ما نقترب من هدي نبينا ﷺ، الذي ترك لنا إرثاً لا يفنى، يؤكد في كل يوم أن العالم لا يحيا بالحديد والنار، بل بالحب والرحمة.