في هذا المقال
حين يكون الانتصار الحقيقي هو الانتصار على النفس
في حياتنا مواقف كثيرة نتعرض فيها للاستفزاز والغضب، وقد يقول لنا أحدهم كلمة تؤلمنا أو يتعمد أن يثير غضبنا، فنشعر برغبة شديدة في الرد والانتقام. لكن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في لحظة الغضب هو أن يملك نفسه، وأن يتذكر أن العفو عند المقدرة من أعظم الأخلاق.
ومن المواقف المؤثرة التي تُروى في هذا الباب موقف الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، الذي ضرب مثالًا عظيمًا في كظم الغيظ والعفو والإحسان.
كان لأبي ذر رضي الله عنه غلام يخدمه، وفي أحد الأيام طلب منه شيئًا، فحدث بينهما موقف أغضب أبا ذر. وكان الغلام قد تعمد أن يثير غضبه، فلما انكشف الأمر لم يندفع أبو ذر وراء غضبه، ولم يجعل لحظة الانفعال سببًا في ظلم غلامه أو الانتقام منه.
بل اتخذ قرارًا عظيمًا، وقال ما معناه إنه لا يريد أن يجمع بين الغيظ والأجر، ثم أعتق غلامه لوجه الله تعالى.
وهنا تكمن عظمة الموقف.
كان يستطيع أن يعاقبه، وكان يستطيع أن يرد الإساءة بإساءة، لكنه اختار طريقًا آخر؛ اختار أن ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره.
ماذا نتعلم من هذا الموقف؟
إن الإنسان قد يظن أن القوة في أن يرد على من أساء إليه، أو أن تكون له الكلمة الأخيرة في كل نقاش، أو أن يجعل من أغضبه يشعر بالندم. لكن القوة الحقيقية ليست دائمًا في الرد، وإنما في القدرة على التحكم في النفس عندما يكون الغضب في أشد حالاته.
وقد أثنى الله تعالى على أصحاب هذه الأخلاق فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
تأمل هذا التدرج الجميل: كظم للغيظ، ثم عفو عن الناس، ثم إحسان.
فليس المطلوب فقط أن تمنع نفسك من الانتقام، بل أن ترتقي بأخلاقك إلى درجة العفو والإحسان عندما تستطيع ذلك.
ولذلك فإن الشخص الذي يستفزك قد يمنحك، من حيث لا يشعر، فرصة عظيمة لتختبر قدرتك على الصبر.
قد يأتيك شخص بكلمة جارحة، وقد يحاول أحدهم التقليل منك أمام الآخرين، وقد يتعمد قريب أو زميل أن يثير غضبك. وفي مثل هذه اللحظة يكون أمامك طريقان: طريق الغضب والرد، وطريق الصبر وضبط النفس.
والاختيار الثاني ليس ضعفًا.
بل قد يكون أقوى انتصار يمكن أن تحققه.
فكم من كلمة قيلت في لحظة غضب سببت قطيعة بين الأصدقاء، وكم من رد سريع جعل مشكلة صغيرة تتحول إلى خصومة كبيرة، وكم من إنسان ندم بعد أن هدأ غضبه وتمنى لو أنه صمت.
لذلك عندما تشعر بالغضب، لا تتعجل في الرد.
اصمت قليلًا، واستعذ بالله، وامنح نفسك وقتًا حتى تهدأ. ثم اسأل نفسك: هل يستحق هذا الموقف أن أخسر من أجله شخصًا؟ وهل سيكون ردي سببًا في إصلاح الأمر أم زيادة المشكلة؟
العفو لا يعني أن الإنسان عاجز عن الرد، وإنما يعني أنه قادر على الرد واختار أن يعفو.
ولهذا كان العفو عند المقدرة من أجمل صور القوة الأخلاقية.
إن من السهل أن تنتقم عندما تكون غاضبًا، لكن الأصعب والأجمل أن تملك نفسك، وأن تجعل رضا الله أهم من رغبتك في الانتصار لنفسك.
وهذا هو الدرس العظيم الذي يمكن أن نتعلمه من هذا الموقف: لا تجعل غضبك يقودك.
قد تخسر نقاشًا وتربح قلبًا.
وقد تتنازل عن رد قاسٍ وتربح راحة قلبك.
وقد تعفو عن إنسان أخطأ في حقك، فيكون عفوك سببًا في إصلاحه.
وليس كل انتصار يحتاج إلى كلمة، وليس كل إساءة تحتاج إلى رد.
أحيانًا يكون أجمل رد على من أراد إغاظتك هو أن تبتسم، وتضبط نفسك، وتمضي دون أن تسمح لغضبه أن ينتقل إليك.
إننا نحتاج في زماننا إلى هذه الأخلاق أكثر من أي وقت مضى؛ نحتاج إلى الحلم، والصبر، وكظم الغيظ، والعفو، وحسن التعامل مع الناس.
فلنجعل من كل موقف يغضبنا فرصة للتدرب على الصبر، ومن كل إساءة فرصة لكسب الأجر، ومن كل لحظة غضب فرصة للانتصار على النفس.
وفي النهاية،
تظل أجمل القوة هي قوة الإنسان على نفسه.
فإذا استطعت أن تكظم غيظك عندما يغضبك أحد، وأن تعفو عندما تكون قادرًا على الانتقام، وأن تختار الإحسان بدل الإساءة، فقد حققت انتصارًا لا يراه الناس ربما، لكنه عند الله أعظم وأبقى.
اللهم ارزقنا حلمًا عند الغضب، وصبرًا عند الابتلاء، وعفوًا عند المقدرة، واجعل قلوبنا نقية من الحقد والانتقام، واجعلنا من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق