في هذا المقال
سعد بن معاذ: سيد الأنصار الذي اهتز لموته عرش الرحمن
في مدينة يثرب، قبل أن تشرق شمس الإسلام فيها، كان هناك شابٌّ نبيلٌ من سادة الأوس، اسمه سعد بن معاذ. كان ذا مكانةٍ عاليةٍ في قومه، حتى إنهم كانوا يسمّونه "سيد الأوس"، وكانت له هيبةٌ لا تُضاهى.
لقاءٌ غيّر مسار الحياة
بعد بيعة العقبة الثانية، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلّم الناس الإسلام. سمع سعد بن معاذ بأمر هذا الداعية الجديد، فغضب غضباً شديداً، وقال لقومه: "اذهبوا إليه وانهوه عن ذلك".
ذهب سعد بن معاذ بنفسه إلى مصعب، فوجده في بستانٍ مع بعض المسلمين. وقف أمامه غاضباً، فقال له مصعب بهدوء: "اجلس واسمع، فإن رضيت فخذ، وإن كرهت فدع".
جلس سعد، وسمع آياتٍ من القرآن الكريم. فما إن سمع كلام الله حتى ذرفت عيناه، وأشرق قلبه، وقال: “ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟”
قال له مصعب: "تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي".
ففعل سعد ذلك، وأسلم في تلك اللحظة. ثم عاد إلى قومه، فوقف على باب دارهم وقال: "كلامكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله".
فأسلمت بنو عبد الأشهل جميعاً في ذلك اليوم. وهكذا أسلمت قبيلةٌ كاملةٌ بسبب رجلٍ واحدٍ اهتدى.
في خدمة الإسلام
بعد الهجرة، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح. وكان سعد من السابقين إلى نصرة النبي، وشهد بدراً وأحداً والخندق.
في غزوة بدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أشيروا عليّ". فقام سعد بن معاذ فقال: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً. إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك. فسر بنا على بركة الله".
ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله، وقال: "سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين".
جرحٌ في سبيل الله
في غزوة الخندق، كان المسلمون محاصرين في المدينة، والعدو قد أحاط بهم من كل جانب. وفي إحدى الليالي، رمى رجلٌ من قريش سهماً، فأصاب سعد بن معاذ في ذراعه. كان الجرح خطيراً، فقطع السهم عرقاً في ذراعه، فبدأ الدم ينزف.
احتضنه أصحابه، وحملوه إلى خيمةٍ في المسجد، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُنصب له خيمة ليعوده فيها. كان الجرح خطيراً، وكان الألم شديداً، لكن سعداً كان صابراً محتسباً.
دعاءٌ مستجاب
بينما كان سعد يعاني من جرحه، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده. نظر سعد إلى النبي نظرة حبٍ وشوق، وقال: "يا رسول الله، ادعُ الله أن لا يميته حتى يقرّ عينه من بني قريظة".
وكانت بنو قريظة قد نقضت العهد وخانت المسلمين في وقت أحوج ما كانوا إليهم. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعا: "اللهم استجب لسعد".
وبعد أيام، فتح الله على المسلمين بني قريظة، وحكم فيهم سعد بن معاذ بحكم الله. فكان حكمه: "تقتل الرجال، وتُسبى النساء والذراري، وتُقسم الأموال".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقام".
الوفاة التي هزت العرش
بعد أن قضى سعد حكم الله في بني قريظة، عاد جرحه ينزف من جديد. اشتد به الألم، فدعا الله وقال: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاقبضني إليك".
فاستجاب الله دعاءه، وبدأ جرحه ينزف حتى مات.
لما مات سعد، اهتزت المدينة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جنازته. وكان النبي يمشي على قدميه، وقد حسر عن ساقيه، حتى وصل إلى قبره.
وفي أثناء دفنه، رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً عجيباً، فقال: "سبحان الله! لقد نزل من السماء سبعون ألف ملك، شهدوا جنازة سعد بن معاذ".
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمةً ظلت تتردد في التاريخ: "لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ".
لماذا اهتز العرش؟
سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: "إنه كان يحب الله ورسوله، وكان الله ورسوله يحبانه. وكان شديداً على أعداء الله، رحيماً بأوليائه. وكان لا يأخذ في الله لومة لائم".
وقال أيضاً: "إنه كان عبداً صالحاً، لقد كان يحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه".
تابع جديد AbdAlah Tarek
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق