في هذا المقال
في رحاب المدينة الفاضلة

كانت المدينة المنورة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعيش أزهى عصورها الإيمانية، حيث كان المسلمون يتوافدون على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلب العلم والتقرب إلى الله. وفي أحد الأيام، دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يبحث في وجوه القادمين من اليمن، يسأل عن رجل وصفه له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدقة بالغة.
لقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم، قبل وفاته، عن رجل صالح يأتي من اليمن يُدعى أويس بن عامر، له برٌّ عظيم بأمه، وكان به بياض فدعا الله فأذهبه إلا موضع درهم أو دينار، ولو أقسم على الله لأبرّه. ومنذ ذلك الحين، كان أمير المؤمنين عمر يتفقد وفود اليمن كل عام بحثاً عن هذا العبد الصالح الذي غفل عنه أكثر الناس، لكنه كان عند الله عظيماً بذكره وخفائه.
اللقاء المرتقب والصبر الجميل
بعد بحث طويل وتنقيب بين صفوف الحجاج والوافدين، التقى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأويس بن عامر. لم يكن أويس يرتدي ثياباً فاخرة، ولم يكن صاحب مال أو جاه يُذكر بين الناس، بل كان شاباً بسيطاً يغلب عليه التواضع الشديد ويكره الشهرة والظاهريات.
اقترب منه عمر بن الخطاب وسأله: "أأنت أويس بن عامر؟" فأجاب بانكسار وخشوع: "نعم يا أمير المؤمنين." فقال عمر وهو يبتسم شوقاً: "أكنت في مراد ثم في قرن؟" قال: "نعم." فسأله عمر عن البرص الذي كان به، فأراه أويس موضع الدرهم أو الدينار الذي بقي منه، فعرف عمر صدق نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أويس أن يستغفر له، وهنا تظهر أعظم درجات التواضع؛ فالرجل الذي يهابه عظماء الأرض يطلب الاستغفار من شاب فقير ومغمور، لأنه يعلم أن العبرة بالتقوى لا بالمظاهر والألقاب. استغفر أويس لأمير المؤمنين، ثم اتفقا على ألا يخبرا أحداً، مفضلاً البقاء في ظل الخفاء والزهد في الدنيا وزخارفها.
العبرة و الدروس المستفادة
تعلمنا هذه القصة الخالدة أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تقاس بماله أو منصبه أو شهرته بين البشر، بل تقاس بمدى صلته بربه، وبره بوالديه، ونقاء سريرته. فقد كان أويس بن عامر مجهولاً في الأرض، لكنه كان معروفاً ومشهوراً في السماء، يدعو له الملائكة ويحبه الملأ الأعلى لصدق قلبه وإخلاصه.
في زماننا هذا، حيث يتسابق الناس نحو الشهرة والثناء الزائف، تأتي قصة أويس لتذكرنا بأهمية العمل الخالص لوجه الله تعالى، وأن الخلوة مع الله وإصلاح السريرة هما أساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. فلنحرص دائماً على طاعة الله في السر والعلن، ولنكن بارين بآبائنا وأمهاتنا، فإن رضاهم بابٌ من أبواب الجنة لا يُعوض
تابع جديد Asser Asser
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق