في هذا المقال
«سورة الكهف: رحلاتٌ في رحاب الإيمان ودروسٌ عبر الزمان» (الجزء الثاني)
ثانيًا: قصة صاحب الجنتين — فتنة المال والغرور بنعم الله
حين ينسى الإنسان مَن وهبه النعمة
بعد أن عرضت السورة نموذجًا للثبات على الإيمان، انتقلت إلى نموذجٍ آخر يكشف فتنة المال والاغترار بزينة الدنيا. فقد أنعم الله على رجلٍ بجنتين من أعناب، وأحاطهما بالنخل، وجعل بينهما زرعًا، وأجرى خلالهما نهرًا، فاجتمعت له أسباب الثراء والرخاء.
قال تعالى:
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32]
لكن كثرة النعم لم تدفع صاحب الجنتين إلى الشكر، بل جعلته يغترّ بما يملك ويتفاخر على صاحبه، فقال.
قال تعالى:
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34]
ولم يقف غروره عند التفاخر بالمال، بل امتدّ إلى الشك في قيام الساعة، وظنّ أن ما يملكه من النعيم سيبقى، وأنه إن عاد إلى الله فسيجد خيرًا منه.
قال تعالى على لسانه:
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾
[الكهف: 36]
وهنا يظهر موقف صاحبه المؤمن الذي لم يخدعه بريق المال، بل ذكّره بأصل خلقه وبقدرة الله عليه، فقال.
قال تعالى:
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 37]
ثم أرشده إلى كلمةٍ تجمع معاني التواضع والاعتراف بفضل الله عند رؤية النعمة.
قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39]
لكن صاحب الجنتين لم يتّعظ، فزالت جنّتاه، وأصبح يتحسّر على ما أنفق فيهما، وقد وصف القرآن حاله بقوله.
قال تعالى:
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: 42]
وهكذا أدرك أن المال الذي تفاخر به لم يكن قادرًا على حمايته من زوال النعمة، وأن القوة الحقيقية ليست في كثرة الممتلكات، بل في الإيمان والشكر وحسن العمل.
العِبَر المستفادة من القصة
>شكر النعم: كل ما يملكه الإنسان من مالٍ ورزقٍ هو فضلٌ من الله يستوجب الحمد والشكر.
>خطر الغرور: قد تتحوّل النعمة إلى فتنةٍ إذا دفعت صاحبها إلى التكبر ونسيان المنعِم.
>عدم الاغترار بالدنيا: فالدنيا متقلّبة، وما يبدو ثابتًا اليوم قد يزول غدًا.
>التواضع بين الناس: قيمة الإنسان ليست فيما يملكه، بل في إيمانه وأخلاقه وعمله الصالح.
>رسالة القصة: لا تجعل ما في يدك يُنسيك مَن أعطاك، ولا تجعل غناك سببًا للتكبّر على غيرك؛ فالنعم أمانة، وشكرها يكون بالقلب واللسان والعمل.
ثالثًا: قصة موسى والخضر عليهما السلام — التواضع أمام علم الله
حين تتجاوز حكمة الله حدود فهم الإنسان
تأخذنا هذه القصة إلى رحلةٍ عظيمة في طلب العلم، حين انطلق موسى عليه السلام في رحلةٍ ليلتقي عبدًا آتاه الله رحمةً وعلمًا من لدنه، وهو الخضر، كما ورد في الأحاديث الصحيحة. وتُظهر هذه الرحلة أن بلوغ منزلةٍ عظيمة في العلم لا يُغني عن التواضع، ولا يمنع الإنسان من طلب المزيد.
وقد عبّر موسى عليه السلام عن عزيمته في طلب العلم.
قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾
[الكهف: 60]
وحين التقى بالخضر، طلب منه أن يتعلّم على يديه بأدبٍ وتواضع، فقال.
قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]
لكن الرحلة لم تكن سهلة، فقد أخبره الخضر أن الصبر على ما سيشاهده سيكون أمرًا شاقًّا، فقال.
قال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 67]
وخلال الرحلة، وقعت ثلاثة أحداث رئيسية: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار في القرية التي رفض أهلها ضيافتهما. وقد بدت هذه الأفعال في ظاهرها مستغرَبة، فلم يستطع موسى عليه السلام الصبر على مشاهدتها دون أن يسأل عن أسبابها.
وعندما حان وقت بيان الحقيقة، كشف الخضر عن الحكمة التي أطلعه الله عليها في تلك الوقائع. ففي شأن السفينة.
قال تعالى:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]
ثم بيّن سبب إقامة الجدار، فقال.
قال تعالى:
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82]
ثم ختم الخضر تفسيره بقوله.
قال تعالى:
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82]
وتُعلّمنا القصة أن علم الإنسان محدود، وأن بعض الحِكَم قد تخفى عليه، لكن لا يجوز أن نتخذ ذلك ذريعةً لتبرير الظلم أو الحكم على الأحداث دون علم؛ فالأفعال الخاصة التي قام بها الخضر كانت بعلمٍ من الله، وليست إذنًا للناس في مخالفة الشرع أو تجاوز حدوده.
العِبَر المستفادة من القصة
التواضع في طلب العلم: فمهما بلغ الإنسان من المعرفة، يبقى محتاجًا إلى التعلّم.
الصبر في طريق المعرفة: فالعلم يحتاج إلى التأنّي وحسن الاستماع وعدم التسرّع.
عدم التسرّع في الأحكام: فقد لا تكون الصورة الظاهرة كافيةً لفهم جميع جوانب الأمر.
الإيمان بحكمة الله: فالله سبحانه عليمٌ بما كان وما يكون، أمّا علم الإنسان فمحدود.
رسالة القصة: اطلب العلم بتواضع، ولا تتعجّل الحكم فيما تجهل حقيقته، وتذكّر أن الاعتراف بحدود معرفتك هو بدايةٌ من بدايات الحكمة.

تابع جديد حَيْدَرَةُ أَبُو فَاطِمَةَ
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق