عِلم أصول الفقه: عبقرية العقل الإسلامي وأداة حفظ الشريعة من الانحراف

عِلم أصول الفقه: عبقرية العقل الإسلامي وأداة حفظ الشريعة من الانحراف

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

عِلم أصول الفقه: عبقرية العقل الإسلامي،وأداة حفظ الشريعة من الانحراف

image about عِلم أصول الفقه: عبقرية العقل الإسلامي وأداة حفظ الشريعة من الانحراف

منذ بزوغ فجر الإسلام، تجلت عالمية هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان في احترامه المطلق للعقل البشري، وحثه الدائم على التدبر والتفكير في إطار قيم الشريعة ومُثلها العليا. وإذا كانت الأمم تفخر بموروثاتها الفكرية، فإن الأمة الإسلامية تمتلك ثروة تشريعية فريدة تميزت بالموضوعية، والاستيعاب، والنظريات الدقيقة؛ وتتمثل هذه الثروة في "علم أصول الفقه".

 هذا العلم ليس مجرد قواعد جافة، بل هو الابتكار الذاتي الخالص الذي أنتجه العقل الإسلامي دون أي روافد أجنبية، تماماً كعلم الإسناد في الحديث. ولقد سبق المسلمون بهذا العلم فقهاء القانون الغربي بأكثر من أحد عشر قرناً؛ إذ لم يعرف الغرب تدوين نظريات القانون وأصوله إلا منذ قرنين فحسب، بينما رسخ المسلمون مناهجهم التشريعية منذ ثلاثة عشر قرناً.

ولفهم هذا العلم بدقة، لا بد من تفكيك مركبه اللفظي؛ فالأصل في لغة العرب هو الأساس وما يُبنى عليه غيره ، وفي اصطلاح الأصوليين هو "الدليل الإجمالي الكلي". أما الفقه فهو الفهم لغةً ، واصطلاحاً هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية عن طريق الاجتهاد. ومن هنا ينبثق الفرق الحاسم بين وظيفتي "الأصولي" و"الفقيه"؛ فالأصولي يشبه المهندس الذي يضع القواعد الكلية ويبرهن على حجيتها (مثل قاعدة: الأمر المطلق يقتضي الوجوب) ، بينما الفقيه هو الصانع الذي يأخذ هذه القواعد الجاهزة ليطبقها على الأدلة الجزئية، فيستنبط مثلاً أن قوله تعالى ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يفيد وجوب الصلاة بناءً على قاعدة الأصولي.

إن الغاية من دراسة الفقه هي تطبيق الأحكام على أفعال الناس لبيان الحلال والحرام، وهو مرجع القاضي والمفتي. أما الغاية من علم الأصول فهي ضبط مسار هذا الاستنباط وتفسير النصوص، ورفع التعارض الظاهري بين الأدلة. ولهذا وصفه الإمام ابن الصلاح بأنه "باب التحقيق في الفقه وعماده" ، وأكد العلماء أنه لا فقه معتبر دون دراية بأصوله.

وعلى الرغم من أن علم الأصول لم يُدوّن كعلم مستقل مستطرد القواعد في عهد النبوة لعدم الحاجة -بسبب وجود الوحي الحي الذي كان يقرر الأحكام أو يصوب الاجتهادات - إلا أن جذوره وممارساته كانت حاضرة بقوة. لقد درب النبي ﷺ أصحابه على الاجتهاد والقياس في حضرته وغيبته. ومن ذلك قياسه ﷺ "القُبلة للصائم" على "المضمضة بالماء"، حيث علم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن مقدمة الشيء لا تأخذ حكم غايته إذا لم تتسبب في إفساده. وكذا قياسه "دَيْن الله" على "دَيْن العباد" في وجوب القضاء والوفاء.

إن أصول الفقه هو "علم آلة" كالنحو الذي يضبط اللسان ؛ فهو الأداة التي تمنع العقل الفقهي من الانحراف أو الاستسلام للأهواء عند قراءة النصوص، ومصدر مرونة الشريعة من خلال تفعيل أدوات الاجتهاد كالقياس، والإجماع، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع. وبدون هذا العلم، يتحول الفقه إلى مجرد حفظ للفروع بلا ملكة، وتفقد الشريعة بوصلة البناء المنهجي المحكم الذي يحفظ هوية الأمة ويستوعب مستجدات العصور.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Heba Abdel Nasser تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-