قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام

قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام

Rating 0 out of 5.
0 reviews

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام كاملة: رحلة خليل الله وأبو الأنبياء

تعد قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام واحدة من أعظم قصص الأنبياء وأكثرها محورية في التاريخ الإنساني والرسالات السماوية. لُقِّب سيدنا إبراهيم بـ "خليل الله" و"أبو الأنبياء"، حيث جعل الله سبحانه وتعالى في ذريته النبوة والكتاب، فمن ولده إسماعيل خرج خاتم المرسلين محمد ﷺ، ومن ولده إسحاق خرج أنبياء بني إسرائيل كيعقوب وموسى وعيسى عليهم السلام. تبدأ تفاصيل هذه الرحلة الإيمانية العظيمة من قلب مملكة بابل القديمة، حيث واجه نبي الله الشرك والظلم بمفردة، متسلحاً باليقين والفطرة السوية التي قادته إلى معرفة الخالق ونبذ عبادة الأوثان والكواكب.

 


النشأة والبيئة المحيطة في بابل

وُلد سيدنا إبراهيم عليه السلام في أرض بابل بالعراق، في عهد ملك طاغية متجبر ادعى الألوهية يُدعى "النمرود بن كنعان". كانت البيئة التي نشأ فيها إبراهيم تموج بمختلف أنواع الشرك والضلال، حيث انقسم المجتمع هناك إلى فئات متعددة؛ فئة تعبد الأصنام والتماثيل المصنوعة من الحجارة والأخشاب، وفئة أخرى تعبد الكواكب والنجوم والشمس والقمر، بينما أجبر الملك النمرود رعاياه على عبادته وتقديسه كإله يملك الحياة والموت.

كانت المفارقة الكبرى في حياة إبراهيم الناشئ أن بيته نفسه كان مركزاً لصناعة هذه الأوثان؛ إذ كان والده "آزر" يشتغل بنحت التماثيل وصناعتها ثم بيعها للقوم ليعبدوها. ورغم هذه النشأة في بيئة غارقة في الوثنية، إلا أن الله سبحانه وتعالى عصم إبراهيم منذ صغره، وآتاه رشده وبصيرته النافذة، فكان يرفض هذه الممارسات بفطرته السليمة، ولم يسجد لصنم قط في حياته، بل كان ينظر إلى تلك التماثيل الجامدة بعين الازدراء والتعجب من عقول قومه الذين يرجون النفع والضر من حجارة لا تتحرك.


رحلة البحث عن الخالق وإعمال العقل

بدأ سيدنا إبراهيم عليه السلام رحلته الإيمانية بمخاطبة عقله وتأمل الكون من حوله، ليكون قدوة للبشرية في استخدام المنطق للوصول إلى الحق. عندما جنّ عليه الليل، رأى كوكباً يلمع في السماء، فجارا قومه في تفكيرهم وقال "هذا ربي" ليختبر مدى استحقاقه للعبادة، فلما غاب الكوكب وأفل، قال بثقة: "لا أحب الآفلين"، فالإله الحقيقي لا يغيب ولا يزول. ثم تكرر الأمر عندما رأى القمر بازغاً بضوئه الفضي، فقال "هذا ربي"، فلما أفل وتوارى عن الأنظار، أدرك أن هناك قوة أعظم تدير هذا الكون، ودعا الله قائلاً: "لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين".

ومع شروق الشمس بحجمها الضخم وضياؤها الشديد، قال إبراهيم "هذا ربي هذا أكبر"، ظناً من قومه أنه اقتنع بآلهتهم، ولكن مع حلول المساء غابت الشمس واختفى نورها، وهنا أعلن إبراهيم براءته التامة من كل هذه المعبودات الزائلة. وجه إبراهيم وجهه وقلبه بالكامل نحو الذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، مؤكداً أن الإله الحق هو الخالق المسيطر الكلي القدرة الذي لا يغيب ولا يزول، وبذلك أقام الحجة العقلية الدامغة على تهافت عبادة الأجرام السماوية.


حوار إبراهيم مع والده آزر

انطلق إبراهيم عليه السلام في دعوته مشفقاً على أقرب الناس إليه، وهو والده آزر الذي كان يصنع الأصنام بيده. سجل القرآن الكريم هذا الحوار بأرقى أساليب الأدب والبر البنوي، حيث كان إبراهيم ينادي أباه بلطف شديد قائلاً: "يا أبتِ". سأله إبراهيم بأسلوب منطقي هادئ: كيف تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟ وأخبره بأنه قد جاءه من العلم والوحي ما لم يأتِ الأب، وعرض عليه أن يتبعه ليهديه صراطاً سوياً، محذراً إياه من عبادة الشيطان وطمعاً في إنقاذه من عذاب الله.

لكن رد آزر جاء قاسياً وعنيفاً، يملؤه الكبر والتمسك بوثنية الآباء والأجداد، حيث رفض كلام ابنه جملة وتفصيلاً واستنكر تسفيهه لآلهته. هدد آزر ابنه إبراهيم بالرجم بالحجارة حتى الموت إن لم ينتهِ عن هذه الدعوة، وأمره بأن يهجره ويبتعد عنه تماماً لفترة طويلة من الزمن. واجه إبراهيم هذا التهديد القاسي بمنتهى السلام والمغفرة، فقال لوالده: "سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً"، وظل يستغفر له وفاءً بوعده حتى تبين له أن والده سيموت على الكفر فتبرأ منه.


تحطيم الأصنام وإقامة الحجة على القوم

قرر سيدنا إبراهيم عليه السلام أن ينتقل من الدعوة باللسان إلى إحداث صدمة عملية تهز وجدان قومه وتكشف لهم عجز أصنامهم. انتظر إبراهيم حتى حل يوم عيد كبير للقوم، حيث خرج الجميع خارج المدينة للاحتفال وتركوا المعبد مهجوراً مليئاً بالقرابين والأطعمة المعروضة أمام التماثيل. تسلل إبراهيم إلى داخل المعبد، ونظر ساخراً إلى الأصنام المصطفة وهي جماد لا تحرك ساكناً، وسألها متهكماً: "ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟".

أمسك إبراهيم بفأسه وهوى بها على الأصنام يكسرها واحداً تلو الآخر بقوة وعزيمة، حتى تحول المعبد إلى ركام من الحجارة المحطمة. وتعمّد إبراهيم أن يترك الصنم الأكبر دون أن يمسه بسوء، بل علق الفأس الحادة في عنقه وغادر المعبد هادئاً. عندما عاد القوم من احتفالهم ودخلوا المعبد، صُدموا من هول المنظر وتساءلوا بغضب: "من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين؟"، فتذكر بعضهم شاباً كان يذكر الأصنام بسوء ويُدعى إبراهيم، فأمروا بإحضاره فوراً أمام حشد كبير من الناس لمحاكمته.


معجزة النجاة من النار العظيمة

وقف سيدنا إبراهيم عليه السلام أمام قومه شامخاً شجاعاً، وعندما سألوه: "أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟"، أشار إلى الصنم الكبير وقال بذكاء: "بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون". تسببت هذه الإجابة في إحداث زلزال فكري داخل نفوسهم، فرجعوا إلى أنفسهم وأدركوا للحظات أنهم هم الظالمون لأنهم يعبدون ما لا يتكلم ولا يحمي نفسه، لكن كبرهم وعنادهم سرعان ما غلب عليهم فنكسوا على رؤوسهم وقالوا: "لقد علمت ما هؤلاء ينطقون"، فجاء رد إبراهيم الفوري: "أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم؟ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟".

عجز القوم عن الرد بالحجة، فقرروا اللجوء إلى القوة الغاشمة لإنقاذ كبريائهم والانتصار لآلهتهم المحطمة. جمعوا كميات هائلة من الحطب من شتى البقاع، وأشعلوا ناراً عظيمة جداً تأججت ألسنتها حتى قيل إن الطير لم يكن يستطيع الطيران فوقها من شدة حرارتها. وبسبب عدم قدرتهم على الاقتراب من النيران، وضعوا إبراهيم مقيداً في منجنيق وقذفوا به في قلب النار. في تلك اللحظات العصيبة، أرسل الله جبريل عليه السلام ليسأل إبراهيم إن كان له حاجة، فقال إبراهيم كلمته الخالدة: "حسبي الله ونعم الوكيل". وصدر الأمر الإلهي الكوني الخارق للطبيعة: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}، فسلب الله من النار خاصية الإحراق، وجلس إبراهيم في وسطها مطمئناً لم يمسه أي سوء، وسط ذهول وذهول النمرود وقومه الذين رأوه يخرج منها سليماً معافى.


مناظرة إبراهيم مع الملك النمرود

بعد معجزة النجاة من النار، ذاع صيت إبراهيم عليه السلام، وطلب الملك الطاغية النمرود بن كنعان مثوله أمامه ليجادله في شأن هذا الإله الذي يدعو إليه. كان النمرود يملك ثروة وجيشاً عظيماً وجعل الناس يسجدون له، فسأل إبراهيم بصلف: "من ربك هذا؟". أجاب إبراهيم بكل ثقة وإيمان: "ربي الذي يحيي ويميت"، فظن النمرود بجهله وكبره أنه قادر على محاكاة هذه القدرة الإلهية، فأمر بإحضار رجلين محكوم عليهما بالإعدام، فقتل أحدهما وعفا عن الآخر، وقال متبجحاً: "أنا أحيي وأميت".

أدرك سيدنا إبراهيم أن الملك يجادل للمغالطة السطحية أمام حاشيته، فنقل المناظرة فوراً إلى مستوى آخر من التحدي الكوني الذي لا يمكن لأي بشر الادعاء فيه أو تزييفه. قال إبراهيم للنمرود: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب". سقط هذا التحدي كالصاعقة على الملك المتجبر، وعجز تماماً عن الرد أو التدبير، وبُهت الذي كفر وانقطعت حجته أمام الملأ، حيث أثبت إبراهيم أن ملك النمرود مهما عظم فهو لا يتعدى كونه مخلوقاً ضعيفاً عاجزاً أمام السنن الإلهية القاطعة.


الهجرة إلى الشام ومصر

بعد أن أقام إبراهيم الحجة على النمرود وقومه، ولم يؤمن معه من الرجال إلا ابن أخيه لوط عليه السلام، ومن النساء زوجته السيدة سارة، علم أن أرض بابل لم تعد أرضاً خصبة للدعوة بعد هذا العناد. قرر إبراهيم الهجرة في سبيل الله لنشر عقيدة التوحيد في بقاع أخرى، وقال مقولته الشهيرة: "إني مهاجر إلى ربي سيهدين". انطلقت القافلة الصغيرة المباركة نحو بلاد الشام (فلسطين وحران)، حيث استقر هناك لبعض الوقت يدعو الناس إلى عبادة الله وحده ونبذ الأوثان.

اضطرت الظروف الاقتصادية وحدوث مجاعة في بلاد الشام سيدنا إبراهيم للانتقال برفقة زوجته سارة إلى مصر. كان يحكم مصر في ذلك الوقت ملك جبار يشتهر ببطشه وأخذه للنساء الحسان عنوة من أزواجهن. عندما علم الملك بجمال السيدة سارة، أمر بإحضارها إلى قصره، لكن إبراهيم دعا الله أن يحميها. وكلما حاول الملك الجبار الاقتراب من السيدة سارة ليمد يده إليها بسوء، كانت يده تُشل وتجف في مكانه، فيطلب منها أن تدعو الله ليفك يده مقابل ألا يمسها. تكرر هذا الأمر ثلاث مرات حتى رعب الملك وأدرك أنها امرأة مباركة محروسة من السماء، فأطلق سراحها وأهداها جارية قبطية من آل بيته تُدعى "هاجر" تعبيراً عن اعتذاره وإكرامه لها، فعادت سارة إلى إبراهيم وهي سالمة ومعها هاجر.


ولادة إسماعيل والرحلة إلى وادي مكة

عاش سيدنا إبراهيم مع زوجته سارة سنوات طويلة في بلاد الشام، وكانت سارة عقيماً لا تلد، وقد بلغ إبراهيم من الكبر عتياً واشتاقت نفسه لولد يحمل راية التوحيد من بعده. شعرت السيدة سارة برغبة زوجها، فجادت عليه بجاريتها السيدة هاجر وتنازلت له عنها ليتزوجها لعل الله يرزقه منها بولد. تزوج إبراهيم من هاجر، وسرعان ما حملت وأنجبت له ابنه البكر البكر الذي سماه "إسماعيل"، فملأت الفرحة قلب الشيخ الطاعن في السن وشكر الله على هذه النعمة العظيمة.

لم تمضِ فترة طويلة حتى جاء الأمر الإلهي العظيم الذي يمثل ابتلاءً جديداً ومحطة تاريخية لتأسيس أقدس بقعة على وجه الأرض. أمر الله إبراهيم أن يأخذ زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل، ويرحل بهما بعيداً عن بلاد الشام نحو الحجاز. وصلا إلى وادٍ قاحل، جاف، مهجور، لا ماء فيه ولا شجر ولا بشر، وهو موضع مكة المكرمة اليوم. وضع إبراهيم زوجته وابنه هناك، وترك معهما كيساً صغيراً من التمر وقليلاً من الماء، ثم استدار والتفت ليتركهما ويعود إلى الشام تنفيذاً لأمر ربه.

تبعت السيدة هاجر زوجها إبراهيم وهي ممسكة بثيابه وتسأله بدهشة وعاطفة الأمومة: "يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟"، وظلت تكرر عليه السؤال وهو لا يجيبها خشية أن تغلبه عاطفته الأبوية. هنا أدركت هاجر بعقلها الرجاح وإيمانها العظيم أن هذا التصرف لا يمكن أن يصدر من نبي إلا بأمر علوي، فغيرت سؤالها وقالت: "آلله أمرك بهذا؟"، فالتفت إليها إبراهيم وقال: "نعم"، فقالت بلسان اليقين المطلق: "إذن لا يضيعنا". مضى إبراهيم في طريقه حتى إذا توارى وراء الجبل وابتعد عن أنظارهما، رفع يديه الشريفتين نحو السماء ودعا بتضرع وخضوع بالدعاء الذي خلده القرآن: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.


معجزة بئر زمزم وظهور الحياة في مكة

نفد الماء والتمر الذي تركه إبراهيم مع السيدة هاجر سريعاً، وجف لبنها وبدأ الطفل الرضيع إسماعيل يبكي ويصرخ من شدة العطش ويتلوى أمام عينيها. لم تطق الأم الصابرة رؤية طفلها يموت عطشاً، فقامت تبحث عن أمل أو قافلة تمر في هذا الفضاء الواسع. نظرت حولها فجدت جبل "الصفا" قريباً منها، فصعدت عليه وتطلعت في الأفق لعلها ترى أحداً، فلم تجد شيئاً. ثم نزلت وهبطت في الوادي مسرعة، ورفعت أطراف ثوبها وهرولت كالإنسان المجهد حتى وصلت إلى جبل "المروة" وصعدت عليه لتنظر في الجانب الآخر.

كررت السيدة هاجر هذا السعي الشاق بين الصفا والمروة سبع مرات كاملة بحثاً عن مغيث، وهو الفعل الذي أصبح فيما بعد ركناً أساسياً من مناسك الحج والعمرة يتبعه ملايين المسلمين كل عام. وعندما بلغت الجهد والتعب وهي عند المروة، سمعت صوتاً خفياً، فقالت: "أغث إن كان عندك غواث". وإذا بملاك الوحي جبريل عليه السلام يظهر عند موضع الرضيع، فضرب الأرض بجناحه (أو بعقبه)، فانفجرت من باطن الأرض الصخرية عين ماء متدفقة بغزارة. أسرعت هاجر فرحة ومندهشة، وجعلت تحوط الماء بيديها وتغرف منه لملء سقائها وهي تقول للماء: "زمي زمي" (أي تجمعي)، وقد قال النبي محمد ﷺ يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً. شربت هاجر العذبة الارتواء، وأرضعت طفلها النجاة من الموت المحقق.

بفضل هذه العين المباركة، دبت الحياة في ذلك الوادي القاحل؛ فمرت قبيلة عربية يمنية تُدعى "جرهم" بالقرب من المكان، فرأوا طيراً يحوم فوق الوادي، فعلموا أن الطير لا يحوم إلا على وجود ماء. أرسلوا رجلين لاستطلاع الأمر، فوجدا السيدة هاجر وطفلها عند بئر الماء، فجاءت القبيلة واستأذنت منها للعيش بجوارها ومشاركتها الماء مع الاحتفاظ بملكيتها للبئر، فوافقت هاجر مستأنسة بوجودهم. نشأ إسماعيل عليه السلام في قبيلة جرهم، وتعلم منهم اللغة العربية الفصحى، وتزوج منهم، وتحول الوادي المهجور إلى مدينة ناشئة ومحطة تجارية هامة بفضل دعوة إبراهيم عليه السلام ويمين السيدة هاجر.


الابتلاء الأكبر وقصة ذبح إسماعيل

كان سيدنا إبراهيم عليه السلام يزور زوجته هاجر وابنه إسماعيل في مكة من وقت لآخر ليطمئن عليهما، فنمت في قلبه محبة شديدة لهذا الابن الذي كبر وأصبح شاباً يافعاً (بلغ معه السعي) يسير مع أبيه ويعينه على مشاق الحياة. وهنا أراد الله سبحانه وتعالى أن يختبر قلب خليل إبراهيم، ليعلم هل استقرت محبة الولد في قلبه لدرجة تنافس محبة الخالق، فجاءه الاختبار الأعظم والأقسى على قلب أي أب في الوجود.

رأى إبراهيم عليه السلام في منامه أنه يذبح ابنه البكر الوحيد إسماعيل، ورؤيا الأنبياء في المنام هي وحي حق وأمر إلهي يجب تنفيذه. لم يتردد الخليل في الامتثال لأمر ربه رغم قسوته الفائقة على النفس البشرية، وذهب إلى ابنه ليعرض عليه الأمر ليشركه في الأجر والامتثال، فقال له برفق: "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى". جاء رد الابن البار الصالح إسماعيل مذهلاً، يفيض بالإيمان التام والتسليم المطلق لمشيئة الله، فقال دون تردد: "يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين".

أخذ إبراهيم ابنه وذهبا إلى موضع الذبح في منى، وتلّه للجبين (أي أضجعه على وجهه على الأرض حتى لا ينظر إلى عينيه أثناء الذبح فترق عاطفته). أخرج إبراهيم السكين الحادة ومررها بقوة على رقبة ابنه وهو يذكر اسم الله، ولكن المفاجأة المعجزة حدثت؛ فالسكين لم تقطع شيئاً، وحُرمت خاصية القطع بأمر من خلقها. حاول إبراهيم مراراً والسكين تأبى أن تقطع، وفي تلك اللحظة التي بلغ فيها البلاء ذروته، وأثبت الأب والابن استسلامهما التام والكامل لله، ناداه الله سبحانه وتعالى: {أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ}. التفت إبراهيم فإذا بجبريل عليه السلام يهبط من السماء ومعه كبش ضخم عظيم الأعين من الجنة، فدا الله به إسماعيل، فذبحه إبراهيم فرحاً وشكراً، وصار هذا اليوم عيداً للمسلمين (عيد الأضحى المبارك) تخليداً لهذا الامتثال والتضحية العظيمة.


بناء الكعبة المشرفة وتأسيس بيت الله الحرام

بعد سنوات من حادثة الفداء العظيمة، عاد سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مكة المكرمة في زيارة تحمل أمراً إلهياً تاريخياً لبناء أول بيت وُضع للناس لعبادة الله وحده في الأرض. التقى إبراهيم بابنه إسماعيل وهو يبري نَبلاً له عند بئر زمزم، فقال له: "يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر"، فقال إسماعيل: "فاصنع ما أمرك ربك"، فسأله إبراهيم: "وتعينني؟"، فأجاب: "وأعينك"، فأشار إبراهيم إلى أكمة مرتفعة (تلة) وقال: "فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً".

انطلق الأب والابن في تنفيذ المهمة المقدسة؛ كان إسماعيل يأتي بالحجارة الثقيلة من الجبال المجاورة، وإبراهيم الخليل يتولى وضعها وبناء الجدران ورفع القواعد. وكلما ارتفع البناء وزاد طول الجدار وضاق على إبراهيم تناوله، أحضر إسماعيل حجراً مباركاً ليقف عليه أبوه ليتمكن من مواصلة البناء، وهو الحجر المعروف اليوم بـ "مقام إبراهيم" والذي ما زالت طبعات قدمي سيدنا إبراهيم محفورة فيه كأثر وشاهد تاريخي حتى يومنا هذا.

كان إبراهيم وإسماعيل يدوران حول الكعبة ويبنيان وهما يلهجان بالدعاء والإخلاص لله تعالى قائلين: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. وعندما شارف البناء على الانتهاء وبقيت فجوة في زاوية البيت، نزل جبريل عليه السلام بـ "الحجر الأسود" من الجنة (وكان شديد البياض ثم سودته خطايا بني آدم) ووضعه إبراهيم في مكانه ليكون مبدأ الطواف وعلامته. وبعد تمام البناء، أمر الله إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: "يا رب، وما يبلغ صوتي؟"، فقال الله: "عليك الأذان وعلينا البلاغ"، فوقف إبراهيم وأذن، فبلغ صوته الآفاق وأسمع الله شتى النفوس في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابوا: "لبيك اللهم لبيك".


البشارة بإسحاق والوفاة

لم تقتصر مكافآت الله الخليل إبراهيم على نجاة إسماعيل وبناء الكعبة، بل أكرمه الله ببشارة أخرى وهو في سن متقدمة جداً. زارته الملائكة (جبريل وميكائيل وإسرافيل) في طريقهم لإهلاك قوم لوط، فاستقبلهم إبراهيم بكرمه المعهود وشوى لهم عجلاً سميناً، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، فهدأوا من روعه وأخبروه بهويتهم وبشروه بأن زوجته الأولى السيدة سارة ستلد له ابناً ذكراً يُدعى "إسحاق"، ومن وراء إسحاق حفيداً يُدعى "يعقوب". ضحكت السيدة سارة تعجباً واستنكاراً وقالت: "يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب"، فردت الملائكة مؤكدة قدرة الله المطلقة: "أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد". وتحققت البشارة وولدت سارة إسحاق ليكون نبياً عظيماً ووالداً لأنبياء بني إسرائيل.

عاش سيدنا إبراهيم عليه السلام حياة حافلة بالجهاد، والدعوة، والصبر، والابتلاءات التي خرج منها جميعاً وافياً مخلصاً بعهد ربه، واستحق بحق وصف القرآن له في سورة النحل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. توفي خليل الله إبراهيم عليه السلام عن عمر طويل يناهز المائة والسبعين عاماً (وقيل أكثر)، ودُفن في مغارة المكفيلة في مدينة الخليل بفلسطين، والتي سُميت باسمه تخليداً لذكراه العطرة، وبقي مسجده ومقامه هناك مزاراً تهوي إليه أفئدة المؤمنين، وتستلهم منه البشرية قيم التوحيد، والتضحية، واليقين الخالص بالله رب العالمين.

comments ( 0 )
please login to be able to comment
article by
Gamal Khaled Rating 5 out of 5.
articles

1

followings

3

followings

3

similar articles
-