
كيف نحافظ على الوقت في ضوء الكتاب والسنة
كيف نحافظ على الوقت في ضوء الكتاب والسنة
مقدمة
يُعدّ الوقت من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، فهو رأس مال الإنسان في هذه الحياة، وهو الوعاء الذي تُملأ فيه الأعمال، سواء كانت خيرًا أو شرًّا. وقد أقسم الله عز وجل بالزمن في مواضع عدة من القرآن الكريم لعِظَم شأنه، فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]. وفي السنة النبوية قال رسول الله ﷺ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" [رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ]. من هنا تتضح أهمية معرفة كيفية المحافظة على الوقت واستثماره وفق ما جاء في الكتاب والسنة.

إدراك قيمة الوقت
أهمية إدراك قيمة الوقت في القرآن
يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]. والمعنى أن كل دقيقة تمر من عمر الإنسان لن تعود أبدًا.
أقوال السلف في قيمة الوقت
كان الحسن البصري يقول: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يومك ذهب بعضك". وهذا يوضح أن العمر ليس إلا مجموعة من الأيام والساعات.
اغتنام الأوقات بالطاعات
توجيهات القرآن
قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]، أي إذا انتهيت من عملٍ فابحث عن عمل آخر يقربك من الله.
هدي النبي ﷺ
كان النبي ﷺ يملأ أوقاته بالعبادة، سواء بالصلاة أو الذكر أو تلاوة القرآن أو خدمة الناس، ليكون قدوة لأمته في حسن استثمار الوقت.
محاسبة النفس على ضياع الوقت
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا". فالمؤمن يتأمل يومه: ماذا قدّم فيه من خير؟ وما الوقت الذي ضاع هدرًا؟ هذه المحاسبة تُعيد للإنسان وعيه وتدفعه لتنظيم يومه بشكل أفضل.
تنظيم الحياة وفق الأولويات
ترتيب الأولويات في الإسلام
البدء بالفرائض: الصلاة، الصيام، الزكاة، البر بالوالدين.
ثم الأعمال الدنيوية: العمل وكسب الرزق ورعاية الأسرة.
ثم ما يزيد عن ذلك: النوافل والذكر وطلب العلم النافع.
وصية نبوية
قال رسول الله ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" [رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز].
ترك ما لا ينفع
من هدي النبي ﷺ قوله: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" [رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ترك ما لا يعنيه، وقال حديث حسن]. فالمؤمن يبتعد عن الجدال العقيم واللهو الفارغ الذي يسرق عمره دون فائدة.
استثمار أوقات الفراغ
وصية نبوية عظيمة
قال النبي ﷺ: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" [رواه الحاكم في المستدرك وصححه الألباني].
مجالات استثمار الفراغ
حفظ القرآن وتلاوته.
طلب العلم النافع.
صلة الرحم وخدمة الناس.
أعمال الخير والصدقة.
وسائل عملية لحفظ الوقت
التخطيط اليومي: وضع برنامج متوازن بين العبادة والعمل والراحة.
المداومة على الذكر: استثمار الأوقات القصيرة في التسبيح والدعاء.
الابتعاد عن التسويف: لأنه سبب لضياع العمر، وقد قيل: "التسويف لصّ الوقت".
صحبة الصالحين: لأنهم يعينون على تنظيم الوقت وحسن استثماره.
خاتمة
الوقت هو الحياة، وهو النعمة التي إن استثمرها الإنسان عاش سعيدًا في الدنيا وفاز في الآخرة، وإن ضيّعها عاش في حسرة وندامة. وقد قدّم لنا القرآن الكريم والسنة النبوية منهجًا متكاملًا للحفاظ على الوقت: من إدراك قيمته، واغتنامه في الطاعات، وتنظيمه وفق الأولويات، وترك ما لا ينفع، إلى استثمار أوقات الفراغ. فليجعل المسلم وقته وقفًا على ما ينفعه وينفع غيره، وليتذكر دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:133].