حكم ممارسة العادة السرية في نهار رمضان وأثرها على الصيام والتوبة وتعظيم حرمة الشهر الكريم
حكم ممارسة العادة السرية في نهار رمضان وأثرها على الصيام والتوبة وتعظيم حرمة الشهر الكريم

حكم ممارسة العادة السرية في نهار رمضان من المسائل التي يكثر السؤال عنها كل عام لما يتعرض له كثير من الناس من ابتلاءات الشهوة وضعف النفس خصوصا مع طول النهار واشتداد الصيام وهذه المسألة لها جانب فقهي وجانب تربوي وجانب إيماني ولا يصح تناولها بنظرة سطحية او باقتطاع حكم مجرد دون فهم المقاصد الشرعية والاثار المترتبة عليها فشهر رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب وانما هو مدرسة متكاملة لتزكية النفس وتهذيب الغرائز وتعويد الانسان على مراقبة الله في السر قبل العلن ولذلك كان من المهم بيان الحكم مع بيان الاسباب والحكم والعلاج
اتفق جمهور العلماء من المذاهب الاربعة على ان الاستمناء محرم في الاصل سواء في رمضان او غيره لانه مخالف لمقصد الشريعة في حفظ الفرج وصيانة النفس ولان الله سبحانه وتعالى حدد الطريق المشروع لاشباع الغريزة الجنسية وهو الزواج فقال والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون والاستمناء داخل في ابتغاء الشهوة بغير الطريق الذي شرعه الله ولذلك اعتبره اكثر العلماء من الاعتداء والتجاوز وان كان بعضهم خفف الحكم في حالات الضرورة الشديدة التي يخشى فيها الانسان الوقوع في الزنا ولم يجد سبيلا للزواج فذكروا انه اخف الضررين مع بقاء الكراهة او التحريم عند كثير منهم
اما في نهار رمضان فالمسألة اشد واوضح لان الصيام عبادة قائمة على الامساك عن الشهوات كلها تعظيما لامر الله وتحقيقا للتقوى كما قال تعالى يا ايها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فالصائم لا يترك الطعام والشراب فقط بل يترك شهوته لله ولذلك جاء في الحديث الصحيح ان الله يقول الصوم لي وانا اجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من اجلي فممارسة العادة السرية في نهار رمضان تناقض معنى الصيام وتفوت على العبد المقصد الاعظم منه وهو كسر الشهوة وترويض النفس
ذهب جمهور الفقهاء الى ان من استمنى في نهار رمضان عامدا مختارا فانه افسد صومه ووجب عليه قضاء هذا اليوم وعليه التوبة والاستغفار لان الصوم قد بطل بخروج المني عن قصد مع فعل محرم وهذا الحكم عند المالكية والشافعية والحنابلة وهو المعتمد عند كثير من اهل العلم اما الحنفية فيرون ان الصوم يفسد ايضا بالاستمناء اذا انزل لانه اخراج للمني بشهوة في نهار الصوم فيلحق بالجماع من جهة افساد الصوم لا من جهة الكفارة
وهنا يجب التنبيه الى مسألة الكفارة فان اكثر العلماء يرون ان الكفارة المغلظة التي هي عتق رقبة او صيام شهرين متتابعين او اطعام ستين مسكينا لا تجب الا في حالة الجماع الكامل في نهار رمضان ولا تجب في الاستمناء وان كان محرما ومفسدا للصوم فيلزم القضاء فقط مع التوبة النصوح وهذا من رحمة الله بعباده لكنه لا يعني الاستهانة بالذنب او التهاون في حرمة الشهر
والتوبة في هذه الحالة واجبة لان الاستمناء في نهار رمضان جمع بين محظورين الاول فعل محرم في نفسه عند جمهور العلماء والثاني انتهاك حرمة الصيام وحرمة الزمان ولذلك كانت التوبة الصادقة شرطا اساسيا في اصلاح ما وقع وتشمل الندم على ما فات والعزم على عدم العود وكثرة الاستغفار والاكثار من الاعمال الصالحة التي تمحو السيئات
ومن المهم ايضا التفريق بين من وقع في ذلك جاهلا بالحكم او ناسيا لصيامه وبين من فعله عامدا عالما فالجمهور يرون ان الجهل والنسيان يرفعان الاثم لكن يبقى القضاء عند كثير من العلماء لان الصوم قد فسد بخروج المني ولو بغير قصد العبادة تحتاج الى اتمام شروطها اما الاثم فمرفوع عن الناسي لقوله صلى الله عليه وسلم من نسي وهو صائم فاكل او شرب فليتم صومه فانما اطعمه الله وسقاه ويقاس على ذلك بعض الصور مع بقاء الخلاف الفقهي
والحديث عن الحكم الفقهي لا يكتمل دون الحديث عن الحكمة التربوية فالله سبحانه وتعالى لم يشرع الصيام ليعذب الناس او ليضيق عليهم بل ليحررهم من عبودية الشهوة ويقوي ارادتهم ويجعلهم اقدر على التحكم في غرائزهم فالانسان الذي لا يستطيع ان يمتنع عن شهوته ساعات معدودة في نهار رمضان كيف يستطيع ان يصبر عن الحرام في غيره لذلك كان الصيام جنة اي وقاية وحصن من المعاصي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء اي وقاية وكسر للشهوة
وممارسة العادة السرية تعاكس هذا المعنى لانها تربي النفس على الاستجابة الفورية للشهوة وعدم الصبر وهذا يضعف الارادة ويجعل الانسان اسيرا لرغباته ومع الوقت قد يؤدي الى اثار نفسية وسلوكية سلبية كالشعور بالذنب وضعف الثقة بالنفس والفتور عن العبادة ولذلك كان من رحمة الله ان فتح باب التوبة والعودة واعطى في رمضان فرصة عظيمة للتخلص من هذه العادة لمن صدق مع الله
ومن الاسباب التي تدفع بعض الصائمين للوقوع في هذه المعصية كثرة المثيرات وقلة غض البصر وضعف البرنامج الايماني في رمضان فيتحول الشهر عند البعض الى سهر طويل امام الشاشات ومتابعة ما يثير الغرائز ثم يطلب من نفسه ان تصبر وهذا تناقض واضح فالشرع امر بغض البصر وحفظ السمع والبصر لان هذه المنافذ هي مفاتيح القلب ومن اغلق المفاتيح سهل عليه ضبط الشهوة
ومن العلاج العملي لمن ابتلي بهذه العادة في رمضان او غيره كثرة الصيام مع ملء الوقت بالطاعة والبعد عن الخلوة الطويلة ومجاهدة النفس عند اول الخاطر لان الشهوة تبدأ بفكرة ثم تتحول الى رغبة ثم الى فعل ومن قطعها في بدايتها سلم ومن تركها حتى تشتد صعب عليه التحكم كما ان الدعاء الصادق واللجوء الى الله بصدق له اثر عظيم لان القلوب بيد الله وهو القائل والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
كما ان الزواج يبقى هو الحل الشرعي الاصيل لاشباع الغريزة فمن تيسر له الزواج ولم يفعل وهو قادر فقد عرض نفسه للفتنة ومن لم يستطع فعليه بالصبر والاستعانة بالصيام والبعد عن المثيرات وعدم اليأس من رحمة الله فان السقوط مرة لا يعني الهلاك ما دام العبد يعود ويتوب ويجاهد نفسه
وخلاصة الحكم ان ممارسة العادة السرية في نهار رمضان محرمة عند جمهور العلماء وتفسد الصوم وتوجب القضاء والتوبة ولا تجب فيها الكفارة المغلظة على الراجح لكن خطرها الحقيقي ليس فقط في افساد يوم من الصيام بل في اضعاف معنى التقوى الذي من اجله شرع الصيام ولذلك كان الواجب على المسلم ان يعظم حرمة هذا الشهر وان يجعل من رمضان نقطة تحول حقيقية في علاقته مع الله ومع نفسه وان يعلم ان الله غني عن تعذيب عباده ولكنه يريد لهم الطهارة والقوة والسمو ومن صدق مع الله صدق الله معه وبدله بعد الضعف قوة وبعد المعصية طاعة وبعد الذنب قربا وانابة