حين يبتعد القلب… لماذا لا يبتعد الله؟

حين يبتعد القلب… لماذا لا يبتعد الله؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حين يبتعد القلب… لماذا لا يبتعد الله؟

 المسافة التي لا تُقاس بالخطوات، والابتعاد عن الله لا يحدث فجأة، فلا نصحو يومًا فنجد أنفسنا في الطرف الآخر من الطريق، بلا إيمان ولا رغبة ولا صلة.

الابتعاد الحقيقي يبدأ بشيء أصغر من أن نلاحظه، وأهدأ من أن نخافه... يبدأ حين يصبح القلب أثقل، حين تصبح الطاعة مجهودًا، والدعاء عادة، والذكر تكرارًا بلا طعم.

حين لا نفقد الإيمان، لكن نفقد الدفء.

وهنا الخطورة، لأن أكثر الناس لا يبتعدون عن الله بالتمرد، بل بالفتور.

لا يعلنون العصيان، ولا يرفعون راية الرفض، فقط ينسحب القلب خطوة خطوة.

والسؤال المؤلم الذي يظهر في هذه اللحظة:

إن كنت أنا ابتعدت، لماذا لم يبتعد الله؟

 

 

image about حين يبتعد القلب… لماذا لا يبتعد الله؟

 لماذا نشعر أحيانًا أن الله بعيد؟

غالبًا ما نخلط بين بعد الإحساس وبعد الحقيقة، نظن أن غياب الشعور يعني غياب القرب، وأن الصمت يعني القطيعة.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك:

 الله لا يبتعد لأن القرب منه ليس حالة مزاجية، ليس مرتبطًا بحماسك، ولا بدرجة صفائك، ولا حتى بثباتك، فنحن من نبتعد في الشعور، لكن الله لا يغيّر موقعه.

الذي يتغير هو:

زاوية رؤيتنا، وصفاء قلوبنا، وقدرتنا على الالتقاط.

كأنك في غرفة ممتلئة بالنور، ثم أغمضت عينيك، النور لم يختفي، أنت فقط لم تعد تراه.

 القرب الذي لا نشعر به.

هناك نوع من القرب لا يُشعر، لكنه يُدار به كل شيء.

قرب يحفظك وأنت غافل، يخفف عنك وأنت لا تطلب، يصرف عنك ما لم تعرف أنك كنت ستنهار بسببه

نحن نربط القرب بالطمأنينة الفورية، لكن أحيانًا يكون القرب في الصبر المفروض، الانتظار الطويل، الحرمان المؤلم، والتأجيل القاسي.

وهنا يحدث الالتباس: نظن أن الله ابتعد لأنه لم يعطينا ما نريد، بينما الحقيقة أنه أمسك بيدنا بقوة أكبر.

 لماذا يتركنا الله نشعر بالبعد؟

سؤال جريء، لكنه صادق.

الله لا يتركنا لأننا لسنا جديرين، ولا لأننا خذلناه، ولا لأننا فشلنا روحيًا.

أحيانًا يتركنا نشعر بالبعد لأن القرب أصبح آليًا، والإيمان صار موروثًا لا مُختارًا، والطاعة صارت عادة لا لقاء

الفتور ليس عقابًا دائمًا، فأحيانًا هو دعوة لإعادة الاكتشاف.

أن تسأل لماذا أفعل ما أفعل؟ من أنا بدون هذا الروتين؟ هل أريده حقًا أم اعتدت عليه؟

 الله لا ينسحب… لكنه يربّي.

في العلاقات البشرية الانسحاب يعني قطيعة، لكن في العلاقة مع الله أحيانًا الصمت يعني تربية.

تربية القلب على الصدق، الاختيار، البحث، الرجوع دون إجبار.

لو كان القرب دائم الشعور، لما عرفنا قيمته، ولو كانت الطمأنينة جاهزة، لما تعلّم القلب أن يطرق الباب بنفسه.

لحظة الإدراك المؤلمة.

أقسى لحظة ليست الذنب، بل أن تكتشف أنك تفعل الصواب بلا قلب، أن تصلي ولا تشعر أنك هنا، أن تدعو وأنت تعلم ما ستقول قبل أن تقوله، أن تذكر الله… كأنك تذكر فكرة لا شخصًا.

وهنا يهمس الشيطان لك بأن الله بعيد، أنت تغيّرت، لن تعود كما كنت.

لكن الحقيقة أنت لم تضِع، أنت فقط نضجت بطريقة مؤلمة.

 الله أقرب في التيه.

الغريب أن أكثر لحظات القرب الحقيقي أنها تحدث في أكثر لحظات الضياع.

حين لا تملك إجابات، حين لا تعرف ماذا تفعل، حين تتوقف عن الإدعاء أنك بخير.

في هذه النقطة يسقط الزيف، ويبقى القلب كما هو.

وهنا بالذات لا يكون الله بعيدًا.

الفرق بين الهروب والابتعاد.

ليس كل ابتعاد هروبًا، أحيانًا هو استراحة روح.

لكن الخطر حين نهرب من الأسئلة، وندفن الوجع، ونكابر على الفراغ.

الله لا يطلب قلبًا مثاليًا، بل قلبًا صادقًا، حتى لو كان متعبًا، حتى لو كان مشوشًا، حتى لو كان باردًا.

 لماذا لا يبتعد الله؟

لأن الله لا يتعامل برد الفعل، لا يغضب كالبشر، لا يقطع الوصل عند أول خذلان.

لأن معرفته بك أسبق من تقصيرك، لأنه يعلم أن القلب يضعف، لكنه لا ينسى طريقه.

نحن نبتعد بخطوات، لكن الله يبقى عند نقطة الرجوع.

لا يلاحقك، ولا يتركك، ينتظر فقط أن تنظر.

العودة حين لا نعرف من أين نبدأ، العودة لا تبدأ من الأعلى.

أكبر وهم في فكرة الرجوع إلى الله إننا نظن إن العودة لازم تكون كاملة، نظيفة، قوية، ومشرفة.

نظن إننا لازم نرجع أقوى مما كنا، نشعر بخشوع فوري، ونصلح كل شيء دفعة واحدة

لكن الحقيقة المؤلمة والرحيمة في نفس الوقت إن العودة لا تبدأ من الأعلى، بل من القاع الذي وصلنا إليه.

الله لا ينتظر منك نسخة محسّنة من نفسك، ولا قلبًا اشتغل عليه طويلًا قبل أن تعود، ولا مشاعر جاهزة.

هو لا يقول ارجع عندما تكون بخير، هو يقبل الرجوع وأنت كما أنت.

لماذا نخاف من الرجوع؟

 الرجوع يواجهنا بأسئلة نخافها:

لماذا ابتعدت أصلًا؟

ماذا تغيّر بي؟

هل ما زلت أنا نفس الشخص؟

الابتعاد كان أسهل، لأنه لا يطلب مواجهة، أما الرجوع فهو اعتراف داخلي أنك محتاج وضعيف.

النفس البشرية لا تحب هذا النوع من الصدق في المواجهة.

 أول خطوة في القرب ليست عبادة. أول خطوة في القرب ليست صلاة أطول، ولا ذكرًا أكثر، ولا التزامًا مشددًا.

أول خطوة حقيقية هي: أن تكفّ عن التمثيل، أن تتوقف عن الادعاء أنك بخير، وتحميل نفسك ما لا تحتمل، وإجبار القلب على الشعور.

 أن تقول في داخلك:أنا لا أشعر، أنا متعب، ولكني هنا.

وهذا وحده… بداية.

 الله لا ينتظر الأداء.

نحن نتعامل مع الله أحيانًا وكأنه يقيّمنا.

كأن العلاقة قائمة على إنجاز، إنتاج، التزام رقمي، لكن الله لا ينتظر منك أداءً روحيًا.

هو لا يقيسك بعدد المرات، ولا بسرعة التعافي، ولا بثباتك الظاهري

هو يرى محاولتك، صدقك، رجفتك وأنت تقترب. والرجفة ليست ضعفًا، الرجفة دليل حياة.

العودة البطيئة أفضل من الاندفاع.

كثيرون عادوا بقوة، ثم انهاروا، وقليلون عادوا ببطء… وبقوا.

العودة الحقيقية لا تصرخ، لا تستعرض، لا تُعلن، هي عودة هادئة، تبدأ بخطوة صغيرة، فكرة صادقة، لحظة سكون، رغبة خجولة.

القلب لا يُجبر على الشفاء، هو يُحتوى.

لا تعاقب نفسك باسم الإيمان.

من أخطر ما نفعله: أن نحمل الدين سلاحًا ضد أنفسنا. 

نقول: 

أنا مقصّر إذًا لا أستحق

أنا ضعيف إذًا لا أقترب

أنا فاشل روحيًا إذًا لا فائدة

الله لا يطلب منك أن تكره نفسك كي تقترب، هو يطلب منك فقط ألا تهرب.

القرب لا يعني غياب الألم.

العودة لا تعني أن الألم سيختفي، ولا أن الأسئلة ستنتهي، ولا أن القلب سيصفو فورًا.

أحيانًا القرب يزيد الوعي، والوعي يزيد الألم مؤقتًا، لكن هذا الألم مختلف… هو ألم الفهم، لا الضياع.

حين تشعر أنك عدت.. دون أن تشعر.

أغرب مراحل القرب: أن تعود دون أن تلاحظ.

لا لحظة فارقة، ولا دموع كبيرة، ولا انقلاب درامي.

فقط تصبح أقل قسوة، أقل هروبًا، أقل إدعاء.

تلاحظ أنك صرت أهدأ، أصدق، أقل احتياجًا لإثبات أي شيء.

وهنا تفهم أن القرب لم يكن شعورًا، بل اتجاه.

الله لا يوبّخ العائد.

نحن نوبّخ أنفسنا كثيرًا:

لماذا تأخرت؟

لماذا ضعفت؟

لماذا ضيّعت؟

لكن الله لا يستقبل العائد باللوم، هو لا يفتح ملف الماضي ليحاسبك، بل ليغلقه.

اللوم البشري يثقل، أما القبول الإلهي فيحرر.

النهاية التي لا تنتهي.

العودة ليست نقطة وصول، بل مسار.

ستقترب، ثم تبتعد قليلًا، ثم تعود أعمق.

وهذا طبيعي، فالقلب كائن حي، والعلاقة مع الله ليست خطًا مستقيمًا.

إن شعرت يومًا بالبعد مرة أخرى، تذكّر أنك أنت فقط تحتاج أن تنظر من جديد.

هذا المقال لا يعدك بسهولة، ولا يبيعك طمأنينة سريعة، ولا يقول إن الطريق واضح.

لكنه يقول شيئًا واحدًا بصدق:

“مهما طال البعد، نقطة الرجوع لم تُغلق.”

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
W.H.R تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-