حرام بن ملحان: حامل لواء اليقين وشهيد بئر معونة

حرام بن ملحان: حامل لواء اليقين وشهيد بئر معونة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حرام بن ملحان: حامل لواء اليقين وشهيد بئر معونةimage about حرام بن ملحان: حامل لواء اليقين وشهيد بئر معونة

​في سجلات التاريخ الإسلامي، تبرز شخصيات لم تكن مجرد أسماء عابرة، بل كانت منارات أضاءت بدمائها طريق الإيمان. ومن بين هذه الكواكب المتلألئة، يبرز اسم الصحابي الأنصاري حرام بن ملحان، الرجل الذي لم يكتفِ بنصرة النبي ﷺ بلسانه وسيفه، بل جعل من موته درساً بليغاً في معنى "الفوز الحقيقي".

​النشأة والبيت النبوي

​هو حرام بن ملحان بن خالد الأنصاري الخزرجي، من بني عدي بن النجار، وهم أخوال النبي ﷺ. نشأ حرام في بيئة تعبق برائحة النبوة والوحي؛ فهو شقيق الصحابية الصبورة أم سليم بنت ملحان، وخال الصحابي الجليل أنس بن مالك، خادم رسول الله ﷺ. هذا القرب من البيت النبوي صبغ شخصية حرام بروحانية عالية، فكان ممن يُعرفون بـ "القُرّاء"، وهم نخبة الصحابة الذين وهبوا حياتهم لحفظ القرآن الكريم وتدبر معانيه، وكانوا يمضون نهارهم في خدمة المسجد والضعفاء، وليلهم في القيام والتهجد.

​جهاده وصفاته

​شهد حرام بن ملحان المشاهد العظيمة مع رسول الله ﷺ، فكان حاضراً في بدر وأُحد، متفانياً في الدفاع عن بيضة الإسلام. لم يكن مجرد مقاتل غليظ، بل كان يحمل قلباً رقيقاً يتجلى في خدمته لأهل "الصُّفّة"، حيث كان يحتطب لهم ويجلب الماء، ويشتري الطعام من ماله القليل ليقدمه لفقراء المسلمين. كان يجمع بين صرامة الفارس وورع العابد، وهي التوليفة التي صنعت جيل الصحابة الفريد.

​فاجعة بئر معونة: الاختبار الأخير

​في السنة الرابعة للهجرة، وتحديداً في شهر صفر، قدم أبو براء عامر بن مالك إلى المدينة وطلب من النبي ﷺ أن يرسل معه دعاةً ليعلموا أهل نجد الإسلام. استجاب النبي ﷺ وأرسل سبعين من خيار القراء، وعلى رأسهم حرام بن ملحان.

​وعندما وصل الركب إلى منطقة "بئر معونة"، تطوع حرام بن ملحان ليكون هو الرسول الذي يحمل كتاب رسول الله ﷺ إلى زعيم المنطقة عامر بن الطفيل. كان حرام يدرك خطورة المهمة، لكنه انطلق بيقين المؤمن الذي لا يرى في الدنيا إلا محطة عبور.

​"فُزتُ وربِّ الكعبة": صرخة هزت الوجدان

​حين وصل حرام إلى عامر بن الطفيل، لم يمهله الأخير لقراءة الرسالة، بل أشار إلى رجل من خلفه يدعى "جبار بن سلمى" ليطعنه. وبينما كان حرام يتحدث، نفذ الرمح من ظهره وخرج من صدره. في تلك اللحظة الحرجة التي يذهل فيها كل إنسان عن نفسه، لم يتأوه حرام ولم يصرخ فزعاً، بل أخذ يجمع الدم المتدفق من صدره بيديه ويمسح به وجهه ورأسه وهو يبتسم قائلاً بلهجة الواثق المنتصر:

​"الله أكبر.. فُزتُ وربِّ الكعبة!"

​كانت هذه الكلمات قنبلة مدوية في نفس قاتله. تساءل جبار بن سلمى: "أي فوز هذا؟ أنا قتلت الرجل وهو يقول فزت!". بقيت هذه الكلمات تطارد جباراً في منامه ويقظته حتى دفعته لاحقاً للسؤال عن الإسلام والدخول فيه، ليكون دم حرام بن ملحان سبباً في حياة روحٍ أخرى.

​أثر استشهاده في السماء والأرض

​تأثر النبي ﷺ تأثراً شديداً باستشهاد حرام وأصحابه في بئر معونة، وظل يدعو على قتلتهم شهراً كاملاً في صلاة الفجر (قنوت النوازل). وقد أنزل الله تعالى في حقهم قرآناً يُتلى (نُسخت تلاوته وبقي حكمه في الوجدان) يقول: "أن بلِّغوا عنا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا".

​إن حياة حرام بن ملحان وموته يقدمان لنا تعريفاً جديداً للنجاح. فالفوز في قاموسه لم يكن كسب المعركة الأرضية، بل كان في نيل الرضا الإلهي والختام على طريق الحق. لقد كان دمه المداد الذي كُتبت به أعظم تضحية في سبيل تبليغ الرسالة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
هيثم نبيل الشرجبي تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

10

متابعهم

16

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.