وضع المرأة عبر العصور، وكيف أعاد الإسلام كرامتها
وضع المرأة عبر العصور، وكيف أعاد الإسلام كرامتها.
المرأة عبر العصور: من التهميش إلى السيادة ورفع لواء الإسلام في مصر.
تُعد قضية المرأة عبر التاريخ مرآةً تعكس رقي الحضارات أو انحطاطها. لم تكن المرأة مجرد نصف المجتمع من الناحية العددية، بل كانت "لون الحياة" ونبضها. في هذا المقال، نسبر أغوار التاريخ لنكتشف كيف تحولت المرأة من كائن مهمش في العصور القديمة إلى ملكة ومحدثة وقائدة تحت ظلال الإسلام، وكيف رسمت النساء في مصر الإسلامية لوحة إبداعية جعلتهن "قمر الليل وشمس الصباح".
أولاً: وضع المرأة في العصور القديمة (ما قبل الإسلام)
قبل بزوغ فجر الإسلام، عاشت المرأة في سلاسل من القيود الاجتماعية والقانونية. اختلفت التفاصيل بين الحضارات، لكن الجوهر كان غالباً الانتقاص من أهليتها.

في الحضارة الرومانية واليونانية: كانت المرأة تُعامل كقاصر دائم تحت وصية الرجل (الأب ثم الزوج). في أثينا، كانت تُمنع من الميراث والتملك، وفي روما، كان لرب الأسرة حق "الحياة والموت" على أفراد أسرته.
في الحضارات الوثنية القديمة: سادت نظرة تشاؤمية للمرأة، حيث اعتبرت في بعض الثقافات مصدراً للشرور أو مجرد وسيلة للمتعة والإنجاب.
المرأة في شبه الجزيرة العربية: بلغ الامتهان ذروته بظاهرة "الوأد" (دفن البنات أحياء) خشية الفقر أو العار، وحُرمت من الميراث تماماً، بل كانت تُورث هي نفسها كالمتاع بعد وفاة زوجها.
ثانياً: الثورة التشريعية.. كيف أعاد الإسلام حقوق المرأة؟
جاء الإسلام ليحدث انقلاباً جذرياً في المفاهيم الإنسانية. لم يكن مجرد تعديل بسيط، بل كان اعترافاً كاملاً بكيانها المستقل.
1. المساواة في القيمة الإنسانية
أعلن القرآن الكريم بوضوح أن الرجل والمرأة من أصل واحد: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ". وبذلك حطم الإسلام خرافة التفوق العرقي أو الجنسي.
2. الذمة المالية المستقلة
لأول مرة في التاريخ القديم، مُنحت المرأة حق التملك، والبيع، والشراء، والإرث، والهبة دون الحاجة لوصي. هذا الحق لم تحصل عليه المرأة في أوروبا إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.
3. حق التعليم والمشاركة السياسية
قال النبي ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (ويشمل المسلمة). كما نجد أن الإسلام أشركها في "البيعة" التي هي بمثابة العقد السياسي والانتخابي في ذلك العصر.

4. الدور البارز للمرأة في مصر الإسلامية
مصر، بخصوصيتها الثقافية، كانت دائماً بيئة خصبة لإبداع المرأة. منذ دخول الإسلام إليها، لم تكتفِ المرأة المصرية بالدور التقليدي، بل كانت "وردة" في بستان العلم و"قمر ليل" يضيء عتمة الجهل.
5. شجر الدر: السياسة والحنكة
لا يمكن الحديث عن تاريخ مصر دون ذكر "شجر الدر". رغم الجدل التاريخي، إلا أنها أثبتت قدرة المرأة المسلمة على إدارة الدولة في أصعب الظروف (الحملة الصليبية السابعة). كانت تدير شؤون البلاد، وتضع الخطط العسكرية، وتقود الجيوش خلف الستار بحكمة أذهلت المؤرخين
6. رائدات العلم والحديث
في القاهرة الإسلامية، برزت أسماء نساء كنّ مراجع للرجال والنساء على حد سواء. نجد "ستيتة المُحاملي" في بغداد ومثيلاتها في مصر ممن برعن في الفقه والرياضيات. كانت المساجد والزوايا في مصر تشهد مجالس علمية تقودها نساء، حيث كنّ ينقلن الأحاديث النبوية ويُخرّجن كبار العلماء.
7. الوقف الخيري والبناء المعماري
المرأة في مصر الإسلامية كانت "شمس الصباح" التي تشرق على الفقراء. معظم الأبنية التاريخية والمدارس والمستشفيات (البيمارستانات) في القاهرة الفاطمية والمملوكية كانت بتمويل من أميرات ونساء خيرات.
مثال: المدرسة التذكارية أو الأوقاف التي كانت تخصص لرعاية الأرامل واليتيمات.
8: المرأة.. "قمر الليل وشمس الصباح"
هذا التعبير ليس مجرد استعارة شاعرية، بل هو وصف لدورها المزدوج:
قمر الليل: هي السكينة، والمربية التي تغرس القيم في نفوس الأجيال تحت جنح الهدوء، وهي التي حافظت على التراث الروحي والأخلاقي للمجتمع المصري.
شمس الصباح: هي القوة العاملة، المنتجة، التي تخرج للميدان، تتاجر، وتتعلم، وتشارك في نهضة المجتمع اقتصادياً واجتماعياً.

9. أثر الإسلام في تغيير الصورة الذهنية للمرأة المصرية
لقد أعاد الإسلام القيم الفرعونية القديمة (التي كانت تحترم المرأة) مع التشريع الإسلامي العادل، فخرجت لنا "السيدة المصرية" التي تجمع بين الأنفة، والتدين، والذكاء الفطري.
في البيت: هي الملكة والمطاعة.
في المجتمع: هي المحترمة والمصونة.
في العلم: هي العالمة والمتعلمة.
لقد جعل الإسلام من وجود النساء "لون الحياة"، فبدونهن تصبح الحياة باهتة بلا روح. هن الورد الذي يفوح شذاه في أروقة التاريخ، وهن اللاتي حملن لواء التربية حين انشغل الرجال بالفتوحات، فكنّ هنّ الفتح الحقيقي للقلوب والعقول.
خاتمة: المرأة هي المستقبل
إن قراءة تاريخ المرأة في الإسلام، وخاصة في مصر، تؤكد أن تهميش المرأة ليس من الدين في شيء، بل هو نتاج عصور الانحطاط والجهل. إن الإسلام أعطاها حقوقاً كانت حلماً في الحضارات القديمة، وجعل منها شريكاً كاملاً في بناء الحضارة.
اليوم، ونحن نستلهم من "قمر الليل ونور الصباح" عبق الماضي، ندرك أن نهضة مصر والأمة الإسلامية لن تكتمل إلا بتمكين "وردة الحياة" لتزهر من جديد في ميادين العلم والعمل والقيادة، كما كانت دائماً في أزهى عصورنا.