تبوك: آخر الغزوات وأعظم الاختبارات
قصة شيّقة عن غزوة تبوك
في السنة التاسعة للهجرة وصلت أخبار إلى المدينة المنورة أن الروم يستعدون للهجوم على المسلمين. كان الخبر خطيرًا، لأن الروم كانوا قوة كبيرة. ومع ذلك لم يتردد النبي محمد ﷺ، فدعا المسلمين إلى الاستعداد للخروج لمواجهتهم في منطقة تبوك.
كان الوقت شديد الحرارة، والطريق طويلًا عبر الصحراء، كما كان الطعام والماء قليلين. لذلك سُمي الجيش الذي خرج مع النبي ﷺ بجيش العسرة. ورغم هذه الصعوبات وقف الصحابة صفًا واحدًا، يجهزون الجيش بما يملكون. فتبرع بعضهم بالمال، وجاء آخرون بالطعام أو الدواب. وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه من أكثر من ساهم في تجهيز الجيش بماله.
انطلق الجيش الإسلامي في طريقه الطويل نحو تبوك. كانت الرحلة صعبة، فالشمس حارقة والعطش شديد، لكن المسلمين صبروا وثبتوا. كانوا يساعدون بعضهم ويتقاسمون الماء القليل حتى يواصل الجميع السير.
وفي أثناء هذه الرحلة وقع موقف مؤثر مع الصحابي أبي خيثمة رضي الله عنه. فقد تأخر في البداية عن الخروج مع الجيش. وعندما عاد إلى بيته وجد زوجتيه قد أعدتا له مكانًا ظليلًا وطعامًا باردًا وماءً عذبًا. لكنه تذكر أن النبي ﷺ وأصحابه يسيرون في الصحراء تحت الحر الشديد، فشعر بالخجل من نفسه وقال: كيف أبقى في الراحة ورسول الله ﷺ في التعب؟ فنهض فورًا، وترك بيته وراحته، وركب راحلته مسرعًا حتى لحق بالجيش. فرح المسلمون بقدومه عندما وصل إليهم.
وبعد رحلة طويلة وصل المسلمون إلى تبوك مستعدين للدفاع عن الإسلام، لكن عندما علم الروم بوصول الجيش الإسلامي خافوا وتراجعوا، فلم يحدث قتال، وعاد المسلمون إلى المدينة بعد أن أظهروا قوتهم وثباتهم.
قصة المنافقين مع النبي ﷺ
لم يكن جميع الناس صادقين في خروجهم إلى الغزوة. فقد كان في المدينة بعض المنافقين الذين حاولوا التهرب من الخروج مع المسلمين، وبدأ بعضهم يختلق الأعذار ليبقى في المدينة خوفًا من المشقة. كما حاول بعضهم ثبط عزيمة المؤمنين بكلماتهم المشككة.
لكن النبي ﷺ لم يلتفت إلى هذه الأقوال، واستمر في تجهيز الجيش والخروج مع المؤمنين الصادقين. وبعد العودة، قبِل النبي ﷺ ظاهر كلامهم وترك سرائرهم لله، فظهر الفرق بين المؤمن الصادق والمنافق الذي يهرب عند الشدائد.
قصة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
بالإضافة إلى المنافقين، كان هناك بعض المؤمنين الذين تخلفوا عن الخروج لأسباب شخصية مثل المرض أو شدة التعب، ولكن بعضهم لم يكن لديه عذر شرعي. وقد أمر النبي ﷺ بمعرفة سبب تخلف كل واحد منهم، فكانت المحاسبة عادلة.
تعلّم المسلمون من هذا الموقف أن الالتزام بالواجبات الدينية والحرص على نصرة الإسلام في وقت الشدة ليس اختيارًا بل مسؤولية. وكان هذا درسًا كبيرًا لهم، يذكرهم بأن الفرصة للشهادة والخدمة في سبيل الله قد تأتي مرة واحدة ويجب اغتنامها.
أهم الدروس المستفادة
الصبر وتحمل المشقة في سبيل الحق.
التعاون والتكافل بين المسلمين في الأوقات الصعبة.
الصدق والإخلاص يظهران وقت الشدائد، كما في موقف أبي خيثمة.
الالتزام بالواجبات وعدم التهاون في الدفاع عن الدين.
الحكمة والقيادة القوية للنبي ﷺ في إدارة الأزمات.
التمييز بين المؤمن الصادق والمنافق والتعامل بحكمة مع كل منهم.
