حين انقطع وحي السماء.. زفرات الوداع في بيت النبوة

حين انقطع وحي السماء.. زفرات الوداع في بيت النبوة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about حين انقطع وحي السماء.. زفرات الوداع في بيت النبوة

 

حين انقطع وحي السماء.. زفرات الوداع في بيت النبوة

لم يكن فجر ذلك اليوم في المدينة المنورة يشبه أي فجر مضى. كانت النسمات تحمل ثقلاً لا يُفسر، وكأن ذرات الرمل والنخيل تدرك أن عهداً من النور يوشك أن يطوي صفحته الأخيرة. في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها، كان جسد النبي الطاهر ﷺ يعاني من وطأة الحمى وسكرات الموت، وهو الذي لطالما حمل هموم الدنيا والآخرة على عاتقه دون كلل.

بدأت الرحلة الختامية حين اشتد الوجع برسول الله ﷺ، فاستأذن زوجاته أن يُمرّض في بيت عائشة، فسمحن له. كان يخرج للمسجد متكئاً على الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، ورجلاه تخطان في الأرض من شدة الضعف. وفي آخر خطبة له، وقف المنبر يهتز تحت وطأة كلمات الوداع، حيث خيّر الله عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر الصديق لأنه أدرك بفطرته أن "العبد" هو صاحبه ورفيق دربه.

في يومه الأخير، وبينما المسلمون في صلاة الفجر، كشف النبي ﷺ ستر حجرة عائشة ونظر إليهم وهم صفوف خلف أبي بكر، فتبسم ضاحكاً، كأنه يطمئن على الغرس الذي زرعه طوال ثلاثة وعشرين عاماً. ظن الصحابة أنه قد شفي، فاستبشروا خيراً، لكنه عاد وأرخى الستر، وكان ذلك آخر عهدهم بنظراته النبوية.

مع اشتداد الضحى، بدأت سكرات الموت تشتد. كان يضع يده في قدح ماء بارد ويمسح وجهه الشريف ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات". وفي تلك اللحظات الفارقة، لم يغفل عن أمانة الرسالة، فجعل يوصي بصوت متهدج: "الصلاة.. الصلاة وما ملكت أيمانكم". كررها مراراً حتى لجلج بها لسانه، لتكون دستوره الأخير لأمة ستمضي من بعده في فتن كقطع الليل المظلم.

دخل ملك الموت يستأذنه، وهو أكرم خلق الله على الله. دخلت السيدة فاطمة وهي تبكي، فأسرّ إليها بما أضحكها بعد بكاء؛ أنه أول أهله لحوقاً به. ثم مالت رأسه الشريفة على صدر السيدة عائشة، وشخص بصره نحو سقف الحجرة، وكأنه يرى ما لا يرى البشر، فتمتم بكلماته الخالدة: "مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى".

خرجت الروح الطاهرة إلى بارئها، وسكن النبض الذي كان يدق حباً ورحمة للبشرية. وقع الخبر كالصاعقة التي زلزلت أركان المدينة. هُدمت العزائم، وتاهت العقول؛ فعمر بن الخطاب، العملاق الذي لا يهاب، شهر سيفه وأقسم أن يقتل من يقول بموت النبي، ظناً منه أنه ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى. لم يحسم الموقف إلا ثبات الصديق أبي بكر، الذي دخل وقبّل النبي الوداع الأخير قائلاً: "طبت حياً وميتاً يا رسول الله، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولا يصيبك بعدها موت أبداً".

خرج أبو بكر للناس وبصوت هز القلوب قال: "أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". عندها فقط، انهمرت الدموع وأدرك الصحابة أن الوحي قد انقطع، وأن الأرض قد فقدت أعظم ساكنيها. رحل النبي ﷺ وبقيت دعوته سراجاً منيراً لا ينطفئ إلى يوم الدين

 

 

 

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
hamza Gameaa تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-