ميلاد أشرف الخلق
ميلاد رسول الله 
في مكة المكرمة، وفي عام الفيل، وهو العام الذي حفظ الله فيه بيته الحرام من كيد أبرهة وجيشه، كانت السيدة آمنة بنت وهب تعيش مزيجاً من الحزن والفرح. حزنٌ عميق على فراق زوجها الشاب عبد الله بن عبد المطلب الذي توفي وهي تحمل في أحشائها ثمرة زواجهما، وفرحٌ وترقب لمولود يملأ عليها دنياتها ويؤنس وحشتها. لم تكن آمنة تشعر بما تشعر به النساء من ثقل الحمل ومشقته، بل كانت تشعر بخفة وراحة، وكأن العناية الإلهية تحيط بها من كل جانب، وكانت ترى الرؤى المبشرة بأنها تحمل في بطنها سيد هذه الأمة.
أشرق فجر يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، ليحمل معه أعظم حدث في تاريخ البشرية. وُلد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومعه وُلد النور الذي سيضيء ظلمات الأرض. تروي الروايات أن آمنة حين وضعته، خرج منها نور أضاءت له قصور الشام. كان ميلاداً هادئاً ومباركاً، ولم يكن كأي ميلاد، فقد كان إيذاناً ببدء عهد جديد للبشرية جمعاء، حيث وُلد من سيخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
وما إن تنفست مكة نسيم هذا الصباح المبارك، حتى أُرسل إلى جده عبد المطلب يبشره بميلاد حفيده. تهلل وجه الجد العظيم، الذي كان يعتصر قلبه ألماً على ابنه عبد الله، وأسرع إلى آمنة يحمل حفيده بين يديه بحنان بالغ. أخذ عبد المطلب الرضيع ودخل به إلى الكعبة المشرفة، وقف يشكر الله ويدعوه على هذه المنة، وألهمه الله أن يطلق عليه اسماً غريباً ومميزاً على العرب في ذلك الوقت، فسماه "محمداً". وحين سأله الناس عن سبب اختياره لهذا الاسم الذي لم يكن مألوفاً في آبائه، أجاب بثقة ويقين: "أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض". وهكذا، ارتبط الاسم العظيم بالمسمى الأعظم.
في الأيام الأولى من حياته الشريفة، رضع النبي صلى الله عليه وسلم من أمه آمنة أياماً قليلة، ثم أرضعته "ثويبة"، وهي جارية عمه أبي لهب، التي أعتقها سيدها فرحاً بولادة ابن أخيه. لكن عادة أشراف مكة وعادات العرب الأصيلة كانت تقتضي إرسال أطفالهم الرضع إلى البادية، حيث الهواء النقي، واللغة العربية الفصحى السليمة، والنشأة القوية بعيداً عن أمراض الحاضرة ومفاسدها وتكدسها.
وهنا تبدأ قصة أخرى من قصص العناية الربانية والبركة التي رافقت هذا النبي الكريم منذ أيامه الأولى. في تلك الأيام، قدمت نساء من قبيلة بني سعد بن بكر إلى مكة يلتمسن الرضعاء. كانت من بينهن حليمة السعدية، امرأة فقيرة قدمت على أتان (أنثى الحمار) ضعيفة وبطيئة، ومعها ناقة مسنة لا تدر قطرة لبن. كانت سنة جدب وقحط شديدين على بني سعد. عُرض الطفل اليتيم "محمد" على المرضعات، فكن يرفضنه قائلات: "إنه يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؟ نحن نرجو الخير والمال من والد الطفل". وهكذا رُفض اليتيم من الجميع بحثاً عن الأجر المادي.
لم تجد حليمة طفلاً آخر، ولما همّ ركب بني سعد بالعودة، شعرت بغصة في قلبها، وقالت لزوجها الحارث بن عبد العزى: "والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه". وافقها زوجها قائلاً: "لا عليكِ أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة".
وما إن ذهبت إليه وضمته حليمة إلى صدرها حتى تجلت بركات السماء؛ فقد درّت عليه من لبنها ما شاء الله أن يشرب، وشرب معه أخوه من الرضاعة حتى شبعا وناما بعمق، بعد أن كانا لا ينامان الليل من شدة الجوع. وقام زوجها إلى الناقة المسنة العجفاء، فإذا بها ممتلئة باللبن، فحلب منها وشربا حتى رويا وشبعا، وقضيا ليلة من أسعد لياليهما.
في الصباح الباكر، نظر إليها زوجها مبهوراً وقال: "والله يا حليمة، لقد أخذتِ نسمة مباركة". وفي طريق العودة إلى ديار بني سعد، دبت القوة والنشاط في أتان حليمة الضعيفة، فسبقت جميع دواب الركب، حتى تعجبت النساء وسألنها في دهشة: "ويحكِ يا ابنة أبي ذؤيب! أليست هذه أتانك التي خرجتِ عليها؟". فترد حليمة بفرح: "بلى والله إنها لهي".
هكذا كانت الأيام الأولى من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، محاطة بعناية الله، ومغلفة بالبركات التي حلت على كل من اقترب منه، لتكتب أولى صفحات حياةٍ غيرت وجه التاريخ، ونشرت الرحمة والعدل والسلام في أرجاء المعمورة كلها.